الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:14 AM
الظهر 11:47 AM
العصر 2:35 PM
المغرب 5:00 PM
العشاء 6:20 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

المطلوب من ميلادينوف

الكاتب: رامي مهداوي

ليس نيكولاي ميلادينوف اسماً جديداً على الفلسطينيين. عرفناه مبعوثاً أممياً يطفئ الحرائق أكثر مما يغيّر المشهد، يدير الأزمات بدل حلّها، ويحافظ على “الاستقرار” لا على العدالة. اليوم يعود الرجل في موقع أخطر وأثقل: المدير التنفيذي لما تم تسميته "مجلس سلام غزة"، ضمن رؤية أمريكية–إسرائيلية عنوانها المرحلة الثانية، وجوهرها إدارة ما بعد الحرب لا إنهاء أسبابها.

وهنا من موقعي كمواطن فلسطيني، لا من موقع متفرج دولي، يصبح السؤال مشروعاً: ماذا نريد من ميلادينوف؟ وما الذي يجب أن يُطلب منه بوضوح ودون مواربة؟

أولاً، المطلوب من ميلادينوف أن يفهم – أو يتصرف على الأقل – أن غزة ليست ملفاً إنسانياً فقط، ولا ساحة تجارب لتكنوقراط دوليين. غزة قضية سياسية بامتياز، وجزء لا يتجزأ من المشروع الوطني الفلسطيني. أي حديث عن إعادة إعمار، أو حكومة تكنوقراط، أو قوة أمنية دولية، دون ربط ذلك بإنهاء الاحتلال وضمان الحقوق السياسية، هو إعادة إنتاج للفشل نفسه بأدوات جديدة. المطلوب منه أن يرفض منطق “الإدارة المؤقتة الدائمة”، وأن لا يتحول إلى مدير شركة إغاثة كبرى بغطاء سياسي.

ثانياً، على ميلادينوف أن يدرك أن نزع السلاح ليس بنداً تقنياً يُنفذ بقرار دولي، بل نتيجة مسار سياسي شامل. التجارب في لبنان والعراق وأفغانستان تقول بوضوح: السلاح لا يُنزع قبل أن تُستعاد السياسة، وقبل أن يشعر الناس بالأمان والكرامة والعدالة. أي محاولة لفرض نزع سلاح حماس – أو غيرها – دون أفق وطني جامع، ستقود إلى انفجار مؤجل لا أكثر. المطلوب منه أن يقول ذلك صراحة، لا أن يكتفي بلغة دبلوماسية رمادية ترضي الجميع ولا تنقذ أحداً.

ثالثاً، المطلوب منه أن يضع خطاً أحمر واضحاً أمام تحويل مجلس السلام إلى أداة لتكريس الانقسام الفلسطيني. غزة ليست كياناً منفصلاً عن الضفة الغربية، وأي حكومة تكنوقراط تُفرض بمعزل عن النظام السياسي الفلسطيني، وعن منظمة التحرير الفلسطينية ستكون حكومة هشة، فاقدة للشرعية، ومحكومة بالفشل. المطلوب منه أن يدفع باتجاه وحدة سياسية ومؤسسية، لا إدارة تقنية معزولة عن الواقع.

رابعاً، على ميلادينوف – إن أراد أن يكون جزءاً من الحل لا من المشكلة – أن يتعامل مع السلطة الفلسطينية كشريك سياسي، لا كملف أمني أو إداري. السلطة ليست مجرد جهة تنفيذية، بل عنوان سياسي معترف به دولياً، وأي تجاوز لها أو تهميش دورها سيقوّض ما تبقى من النظام السياسي الفلسطيني، ويفتح الباب أمام الفوضى أو الوصاية الدولية الطويلة الأمد.

خامساً، المطلوب منه أن يربط بين غزة والضفة الغربية ربطاً عملياً، لا خطابياً. لا معنى لإعادة إعمار غزة بينما تُخنق الضفة بالاستيطان، ويُترك المستوطنون يعيثون عنفاً، وتُحتجز أموال الفلسطينيين، وتُفكك الجغرافيا يوماً بعد يوم. السلام لا يُبنى في غزة وحدها، ولا يمكن لمجلس سلام أن يتجاهل قرار مجلس الأمن 2803 وغيره من القرارات التي تؤكد على وحدة الأرض الفلسطينية.

أخيراً، المطلوب من ميلادينوف أن يختار موقعه الأخلاقي بوضوح: إما أن يكون شاهداً دولياً يجمّل مرحلة انتقالية بلا نهاية، أو أن يكون مسؤولاً سياسياً يدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يولد من فوهة القوة ولا من مجالس دولية، بل من العدالة والحقوق والحرية. الفلسطينيون لا يحتاجون مدير أزمة جديد، بل شريكاً يملك الشجاعة ليقول: لا سلام بلا إنهاء للاحتلال، ولا إعمار بلا كرامة، ولا مستقبل بلا دولة فلسطينية كاملة السيادة.

هذه ليست شروطاً تعجيزية، بل الحد الأدنى من منطق السياسة. فهل يسمع ميلادينوف صوت المواطن الفلسطيني هذه المرة؟ أم سيكتفي، مرة أخرى، بإدارة الوقت الضائع؟

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...