حركة فتح بين النهوض التنظيمي والديمقراطية الفلسطينية
الكاتب: داود عبد الكريم داود
حركة "فتح" ليست مجرد حزب سياسي عابر في التاريخ الفلسطيني، بل هي العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، وحامية مشروعها التحرري عبر عقود. وفي ظل التحديات الاستثنائية التي يواجهها الشعب الفلسطيني على جميع المستويات، يبرز دور الحركة في قيادة المسارين الوطني والديمقراطي كضرورة وجودية. قرار عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في الرابع عشر من أيار/ مايو المقبل من العام الحالي يمثل خطوة محورية في مسيرة النهوض التنظيمي والحفاظ على تماسك الحركة، الذي ينعكس مباشرةً على مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية وقدرتها على الوفاء بمسؤولياتها.
تأتي الدعوة لعقد المؤتمر الثامن في وقت بالغ الحساسية، حيث تشهد الساحة الفلسطينية تحولات سياسية وميدانية متسارعة. إن عقد المؤتمر ليس مجرد استحقاق تنظيمي روتيني، بل هو إعادة توطيد للهيكل الداخلي للحركة وتجديد لشرعيتها، كما أن قرار عودة الأعضاء المفصولين بشكل فردي، يشير إلى نية مصالحة داخلية تعزز الوحدة وتلمّ الشمل.
الحركة تدرك أن تماسكها التنظيمي هو الأساس لتماسك مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية. فمنظمة التحرير الفلسطينية، كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، تعتمد في قوتها على قوة مكوناتها الأساسية، وعلى رأسها حركة فتح. أي ضعف أو تفكك في البنية التنظيمية للحركة سينعكس سلباً على قدرة المنظمة على القيادة والتفاوض والتمثيل الدولي.
ويرتبط النهوض التنظيمي لحركة فتح ارتباطاً عضوياً بالمسار الديمقراطي الفلسطيني. فقد أكد الرئيس محمود عباس أن عام 2026 سيكون عام الديمقراطية الفلسطينية، بدءاً بانتخابات المجالس المحلية في 25 نيسان/أبريل، مروراً بالمؤتمر الثامن للحركة وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، ووصولاً إلى الانتخابات العامة عند توفر الظروف المناسبة.
هذا التسلسل الديمقراطي يعكس رؤية الرئيس محمود عباس المتكاملة التى تهدف إلى تجديد الشرعية السياسية وتعزيز المشاركة الشعبية، من خلال حث أبناء فتح على الانخراط في العملية الانتخابية ودعم قوائمها، تسعى إلى ترجمة قوتها التنظيمية إلى قوة تمثيلية ديمقراطية، مما يعزز شرعية النظام السياسي الفلسطيني في الداخل والخارج.
فى نفس المسار تواجه حركة فتح تحديات جسام على صعيد الحفاظ على الوحدة الجغرافية والسيادية لفلسطين. التأكيد على رفض التهجير والاستيطان، والتمسك بالوحدة بين غزة والضفة والقدس الشرقية، ليس شعارات سياسية فحسب، بل هو جوهر المشروع الوطني الذي تقوده الحركة، كما أن الدفاع عن ولاية الحكومة الفلسطينية على أرض الدولة المحتلة يشكل ركيزة أساسية في مواجهة محاولات تفكيك السيادة الفلسطينية.
الحركة تضع أولويات واضحة: وقف العدوان على غزة، وتدفق المساعدات، وفتح المعابر، والانسحاب الكامل لقوات الاحتلال، وحماية المخيمات في الضفة، ومقاومة الاستيطان، والدفاع عن القدس ومقدساتها. هذه الأولويات ليست منفصلة عن المسار التنظيمي والديمقراطي، بل هي غاياته واختباره العملي.
كما أن العلاقة بين تنظيم حركة فتح ومؤسسات السلطة الوطنية علاقة تكاملية. فكلما كانت الحركة أكثر تماسكاً وتنظيماً، كانت أكثر قدرة على دعم مؤسسات السلطة في أداء مهامها. برامج الإصلاح التي أكد عليها الرئيس محمود عباس، بما في ذلك تحديث المنظومة القانونية، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز الشفافية والحكم الرشيد، تحتاج إلى حركة قوية ومنظمة لتكون حاميتها وداعمتها الشعبية.
كما أن الدعوة إلى التزام جميع الأحزاب بالبرنامج السياسي للمنظمة وبالشرعية الدولية تعكس دور فتح كحارس للمشروع الوطني الجامع، ففي ظل التشتت الحزبي والانقسام الجغرافي، تبقى حركة فتح الإطار الجامع الذي يمكن أن يحافظ على الحد الأدنى من الوحدة السياسية والاستراتيجية.
حركة فتح تقف على مفترق تاريخي: فإما أن تنجح في عملية النهوض التنظيمي الداخلي وتعزيز المسار الديمقراطي، فتقوي بذلك مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية ، أو تتراجع فتنعكس آثار ذلك سلباً على كل المكونات الوطنية الفلسطينية.
المؤتمر الثامن للحركة يمثل فرصة ذهبية لتجديد الدماء، وتقوية الهيكل التنظيمي، وإعادة تأكيد الثوابت الوطنية. النجاح في هذه المهمة لن يكون نجاحاً لحركة فتح وحدها، بل سيكون نجاحاً للمشروع الوطني الفلسطيني بأكمله، وخطوة ضرورية على طريق الحرية والديمقراطية والاستقلال.
والنهوض التنظيمي لحركة فتح ليس خياراً داخلياً فحسب، بل هو واجب وطني، لأن في قوتها قوة لمنظمة التحريرالفلسطينية، وفي تماسكها تماسك لمؤسسات السلطة، وفي ديمقراطيتها تجديد لشرعية النظام السياسي الفلسطيني، إنها المعادلة التي يجب أن تنجح ليكون لفلسطين غد أفضل.

