فلسطين بين التحرر وإدارة الأزمة ، تفكيك سياسي تحت غطاء إنساني
الكاتب: مروان اِميل طوباسي
تواجه القضية الفلسطينية اليوم تحديا بنيويا عميقا يتمثل في الانتقال من منطق إدارة التحرر إلى منطق إدارة الأزمة ، وتحويل الحق الوطني إلى ملف إنساني سياسي مُدار ، تُختزل فيه فلسطين من قضية تحرر وطني إلى حالة إغاثية دائمة . ولم يعد التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية يتم بوصفها قضية تحرر من إستعمار أستيطاني إحلالي ، في ظل ما تمارسه الولايات المتحدة من هيمنة على النظام الدولي ، بل أُعيدت صياغتها تدريجيا ضمن مقاربات إنسانية وتنموية تفصل النتائج عن أسبابها ، وتستبدل مشروع إنهاء الاحتلال بمنطق احتواء الأزمات .
في هذا السياق ، يجري تحويل الشعب الفلسطيني من فاعل سياسي صاحب حقوق وطنية غير قابلة للتصرف ، إلى موضوع إدارة واحتواء ، تُقاس حياته بمعايير “الإحتياج” لا بمعايير العدالة والحرية والأستقلال الوطني .
في قطاع غزة ، تُختزل الإبادة والحصار في توصيف “كارثة إنسانية” تتطلب استجابة إغاثية عاجلة ، دون ربطها بجذورها الإستعمارية المستمرة . الإغاثة ضرورة أخلاقية وإنسانية لإنقاذ الأرواح ، لكن حين تُفصل عن سياقها السياسي تتحول إلى أداة لتطبيع الجريمة ، حيث يُدار الموت بدل منعه ، ويُدار الجوع والتشرد بالخيام بدل إزالة أسبابه . وفي الإطار ذاته ، وفي ثانيا ما سمي باليوم التالي تُطرح تصورات “غزة ما بعد الحرب” و“غزة الخضراء” كمشاريع إعادة إعمار وتنمية مشوهة ، بينما يُهمش سؤال المسؤولية السياسية وحقوق شعبنا الفلسطيني ، وتُستبعد منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها صاحبة الولاية الوطنية ، لتتحول إعادة الإعمار إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة الإستعمارية لا تفكيكها .
وفي هذا السياق ، لا بد من التحذير من أن النتائج المتوقعة لهذه المقاربات ستكون مغايرة تماما لما يُروج له سياسيا وإعلاميا . فالشواهد القائمة تشير إلى أن وضع قطاع غزة تحت إدارة دولية لن يشكل مخرجا إنسانيا أو مرحلة انتقالية نحو إنهاء الأحتلال هنالك ، بل سيكون مدخلا مباشرا إلى تقويض دور ومكانة منظمة التحرير الفلسطينية ، وربما إنهائها بصيغتها الحالية ، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني .
هذه الخطة لا تتوقف عند حدود غزة ، بل تفتح الباب أمام نسخة ثانية وأكثر خطورة من “صفقة القرن”. فإذا فُرضت لجنة دولية لإدارة القطاع ، فإن ما سيجري في الضفة الغربية سيكون التطبيق العملي لما طرحته إدارة ترامب في ولايتها الأولى ، ولكن بأدوات أكثر نعومة وبغطاء دولي أوسع .
إن “صفقة القرن”، في جوهرها تُخرج القدس نهائيا من أي حساب سياسي فلسطيني ، وتمنح شرعية كاملة لكافة التجمعات الاستيطانية ، بل لما يمكن تسميته “دولة المستوطنين” على مساحات واسعة من الضفة الغربية . وما يتبقى لنا نحن للفلسطينيين ، في هذه الحالة ، لن يكون سوى بقع جغرافية متناثرة على شكل “بانتوستونات”، تتمركز في محيط المدن الرئيسية ، ولا تتجاوز في مجموعها نحو ٢٠% من مساحة الضفة الغربية دون القُدس .
الأخطر من ذلك ، أن هذه الكتل السكانية الفلسطينية قد لا تُدار بالضرورة من قبل السلطة الفلسطينية بمرجعية منظمة التحرير ، بل قد تُخضع لصيغ إدارة محلية أو أمنية أو حتى دولية ، بما يعني الإنتقال من فكرة الكيان السياسي المتمثل بالدولة المستقلة ذات السيادة على كامل الأراضي المحتلة عام ٦٧ إلى مفهوم “الإدارة السكانية”. وهو ما يتقاطع مع رؤية اليمين الإسرائيلي و“خطة الحسم”، القائمة على تفكيك الضفة الغربية إلى ثلاث أو خمس “تجمعات / أمارات ” أو “كانتونات” منفصلة ، بلا سيادة وبلا أفق وطني .
في الضفة الغربية ، يبدو المشهد مختلفا شكليا ، لكنه متطابق جوهريا . هنا يُستبدل خطاب الإغاثة بخطاب “التنمية” و“بناء القدرات” و“الحوكمة” و“الأستقرار الاقتصادي” ، تُضخ الأموال في مشاريع خدماتية واقتصاد ريعي تابع وملحق وغير إنتاجي ، بينما تبقى الأرض والموارد والسيادة خارج أي نقاش فعلي . وتُختزل السياسة في إدارة مالية وأمنية خاضعة لاشتراطات خارجية ، ويُعاد تعريف “النجاح” بمدى التكيف مع الأحتلال لا مقاومته . وفي هذا السياق ، يجري تقويض وظيفة السلطة الفلسطينية ، لا عبر إنهائها المباشر ، بل بحصارها وبإعادة تعريف دورها كوسيط إداري وأمني يخفف كلفة الأحتلال بدل أن يكون أداة انتقال نحو الإستقلال الوطني .
هذا التقسيم الوظيفي بين غزة والضفة ليس خللا طارئاً ، بل جوهر المقاربة الدولية ، خاصة الغربية منها ، حيث تُدار غزة كملف إنساني دائم ، وتُدار الضفة كحكم ذاتي مُحسن بلا سيادة وطنية . وفي الحالتين ، يجري نزع الجوهر عن القضية الفلسطينية وإخراجها من سياقها الطبيعي كقضية تحرر وطني .
في منطق النيوليبرالية الذي يحكم “الترامبية” اليوم ولكل تبعاته التي نشاهدها بحق دول ذات سيادة وحقوق الشعوب ، لا تُحل الأزمات جذريا ، بل تُدار بالتهديد لمزيد من الأستثمار والتطويع والإستحواذ على الموارد والأرض وما فيها ، سواء بالقوة الغاشمة أو عبر الوكلاء الإقليميين ، وذلك انسجاما مع وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أُعلنت مؤخراً . وهنا يُستبدل سؤال “كيف نتحرر؟” بسؤال “كيف نستمر؟"
وهنا فقد تُنتج هذه المنظومة نُخبا محلية تتقن لغة المانحين أكثر من لغة التحرر ، ومرتطز نفوذ تستنزف الطاقات الوطنية في إدارة مشاريع قصيرة الأمد بدل بناء مشروع وطني تحرري طويل النفس ومستدام .
حيث في هذا الإطار ، تكتسب الأخبار المتداولة ، إن صحت ، حول الإعداد لتشكيل حزب أو إطار سياسي جديد بتمويل جاهز وشعارات وطنية وخدماتية فضفاضة ، دلالة سياسية خطيرة . فهي تعكس محاولة لإعادة إنتاج منطق “إدارة الأزمة” عبر واجهات فلسطينية ناعمة ، تُراهن على إنهاك المجتمع والتضييق على حاجاته المعيشية من الغذاء والرواتب والحركة ، وتُقدم الخلاص كحزمة خدمات لا كمشروع تحرر وطني ، تحت شعارات من قبيل “الإنحناء للعاصفة حتى تَمر” أو “الواقعية السياسية” المفرغة من مضمونها التحرري .
اليوم ، يجري الترويج من قبل بعض الأطراف لفكرة مفادها أن أفضل السبل للتعامل مع هذه المرحلة الخطيرة هو “الأنحناء الكامل للعاصفة”، و "سحب كل الذرائع" ، وتجنب حتى أي شكل من أشكال الأشتباك السياسي ، على قاعدة أن هناك موجة عاتية تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ، لا تمتلك السلطة الوطنية القدرة على مواجهتها . ووفق هذا المنطق ، يُعتقد أن الاستجابة لكل الشروط المطلوبة ، أو الصمت وتحييد الذات ، قد يضمنان نجاة مؤقتة لنظامنا السياسي القائم والمأزوم . غير أن هذا الرهان، في تقديري ، رهان خاسر بالأصل وقد جُرب سابقاً ، لأن الوقائع والشواهد تشير إلى أن النتيجة ستكون مغايرة تماما وأكثر كلفة على مستقبل شعبنا من كلفة مواجهة كافة مما يُروج له .
إن استعادة البعد الوطني التحرري للقضية الفلسطينية والقرار المستقل لإعادة بناء نظامنا السياسي على اسس من المشاركة والديمقراطية والنزاهة ، لا تعني رفض السياسة أو القنوات الدبلوماسية أو الإغاثة أو التنمية ، رغم استحالة تحقيقها تحت الأحتلال ، بل تعني إخضاعها جميعا لرؤية وإرادة سياسية وطنية مقاومة متمسكة بالحقوق الثابتة ، وربطها بالسيادة والحرية ، لا بمنطق إدارة الأزمة . ففلسطين لا تحتاج فقط إلى طعام اليوم ، بل إلى اقتصاد لا يتيح الجوع غدا ، ولا إلى حماية مؤقتة ، بل إلى حرية سياسية دائمة واقتصاد إنتاجي مقاوم ومستقل . وكما قال السيد المسيح: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”.
بالخاتمة ، آمل أن يفتح مقالي هذا أو أجتهادي ، مساحة ضرورية لنقاش فكري وسياسي جاد ، يشكل رافداً لما يجري من تداول آراء حول مسودات الأوراق والوثائق المتوجب طرحها أمام المؤتمر العام الثامن لحركة “فتح” حتى لا يكون انتخابيا فقط ، بوصف ذلك ضرورة لوضوح هويتها كحركة تحرر وطني ، لا كجزء من منظومة إدارة الأزمة . فوضوح الرؤية شرط سياسي للدور والدلالة والمكانة والوظيفة السياسية الكفاحية لحركة “فتح”، ولكل الحركة الوطنية الفلسطينية ، في هذه اللحظة المفصلية التي لم تنتهي فيها بعد مرحلة التحرر من الأحتلال الأستيطاني .

