النظام العالمي يسير وفق ما تخيله أَلبيرت بيك
الكاتب: د. محمد عودة
قدّم المحامي والكاتب والزعيم الماسوني الأمريكي ألبيرت بايك (1809–1891) رؤية متكاملة للصراعات الكبرى في العالم، عبر كتابه Morals and Dogma الصادر عام 1871، وما نُسب إليه من رسائل إلى جوزيبي ماتزيني. ووفق هذه الرؤية، لا تبدو الحروب العالمية أحداثًا عسكرية معزولة، بل حلقات ضمن مسار طويل لإعادة تشكيل النظام العالمي على مراحل متتابعة، بحيث يقود كل صراع إلى الذي يليه، ويُعاد في كل مرحلة تعريف القوة والشرعية والقيم الحاكمة، مع آثار عميقة تطال السياسة والمجتمع والثقافة.
الحرب العالمية الأولى لم تكن مجرد مواجهة بين قوى كبرى، بل عملية تفكيك ممنهجة للإمبراطوريات القديمة، كألمانيا وروسيا والنمسا–المجر، بما فتح المجال أمام أنماط سياسية جديدة أكثر قابلية للتوجيه. هذا التفكيك أعاد رسم خرائط النفوذ، وأتاح للدول الصاعدة توسيع أدوارها، بينما تولّدت نزاعات إقليمية على أسس مختلفة، في تقاطع واضح مع الرؤية المنسوبة إلى بايك. كما مهّدت الحرب لنشوء الأيديولوجيات الحديثة التي تجاوزت الانتماءات السلالية، لتصبح الأفكار السياسية محرّكًا مركزيًا لصراعات القرن العشرين، ومؤثرة في البنى القانونية والسياسية والاجتماعية في أوروبا والعالم الجديد.
الحرب العالمية الثانية انتقلت بالصراع إلى مستوى أيديولوجي أشد حدّة، بين الفاشية والشيوعية، ما أدى إلى استنزاف واسع للقوى الكبرى، وخلق بيئة مناسبة لظهور نظام عالمي شبه مركزي. في هذه المرحلة، برزت المؤسسات الدولية بوصفها أدوات لتنظيم الصراع وضبط الفوضى، في انسجام مع التصور الذي يرى أن السيطرة بعد الحرب لم تعد عسكرية فقط، بل قائمة على إدارة الأيديولوجيات، وبناء التحالفات، وتوجيه الرأي العام العالمي لتقبّل نظام دولي جديد، وهو ما يتجسد اليوم في منظومة الأمم المتحدة، والمؤسسات الاقتصادية العابرة للحدود، وتأثير الإعلام الرقمي في تشكيل الوعي الجمعي.
أما ما يُشار إليه بالحرب الثالثة، والأكثر حساسية، فبحسب الرؤية المنسوبة إلى رسائل بايك، فهي صراع ذو طابع حضاري شامل، لا يهدف إلى الحسم العسكري بقدر ما يسعى إلى فرض قبول نظام مركزي جديد يعيد تعريف القيم والسياسات والأسس الأخلاقية والقانونية التي تحكم العلاقات بين الدول والشعوب. في هذا السياق، لم تعد الصراعات مجرد حروب تقليدية، بل أدوات لإعادة ترتيب الفكر الجمعي، والتحكم في المنظومات الثقافية والدينية، بما يضمن استقرار النظام العالمي الجديد واستمراره.
اللافت أن هذه الرؤية لا تُطرح بوصفها نظرية معزولة، بل تتقاطع، في نظر كثيرين، مع نتائج الحربين العالميتين، ومع ملامح الواقع الراهن. فالقوة التقليدية اليوم تصطدم بعالم شديد التعقيد وسريع التحول. التراجع الأمريكي عن توجيه ضربة لإيران، سواء كان تكتيكيًا مؤقتًا أم نتيجة حسابات استراتيجية أعمق، يعكس فجوة متزايدة بين امتلاك أدوات القوة وبين القدرة الفعلية على تحمّل تبعات استخدامها، ويكشف هشاشة النفوذ عندما يواجه تشابك السياسة الداخلية مع الضغوط الدولية، من الاقتصاد إلى الإعلام، وصولًا إلى التوازنات الاجتماعية.
لم تعد القوة العسكرية والاقتصادية كافية بحد ذاتها. فكل قرار بات محكومًا باعتبارات الشرعية الداخلية، ومواقف الحلفاء، وردود الفعل الدولية، وتأثيره في الاستقرار الاجتماعي والسياسي. الإعلام الرقمي، والثورة المعلوماتية، وتآكل الطبقة الوسطى، عوامل تقلّص قدرة الدولة على تحويل تفوقها العسكري والاقتصادي إلى نفوذ مستدام، وتجعل كل خطوة خارجية رهينة حسابات دقيقة على مستويات متعددة.
مفكرون مثل زبيغنيو بريجنسكي وبول كينيدي نبّهوا منذ عقود إلى حدود الهيمنة. بريجنسكي رأى أن القوة شبكة معقّدة تشمل الإدارة الداخلية والشرعية والتحالفات، لا مجرد سلاح واقتصاد. أما كينيدي، فحذّر من أن انفصال القوة العسكرية عن قاعدة إنتاجية صلبة يحوّل الهيمنة إلى عبء ثقيل، ويجعل كلفتها أعلى من مردودها. اليوم، تتجسد هذه التحذيرات بوضوح، إذ بات أي تصعيد أمريكي محفوفًا بتداعيات متشابكة، تزيد تعقيد إدارة النظام الدولي، وتحول القوة إلى أداة ردع أكثر منها وسيلة حكم فعّالة.
سهولة الوصول إلى المعلومات، وانتشار الإعلام الرقمي، واتساع تأثير الرأي العام العالمي، جعلت السياسة الخارجية الأمريكية مزيجًا من التلويح بالقوة والخشية من استخدامها. هذا التناقض يعكس عجزًا بنيويًا عن إدارة النفوذ بصورة مستقرة، وهو عجز لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى أزمة شرعية وأخلاقية، حيث تؤدي الانتهاكات المتكررة للقانون الدولي والفجوة بين القوة والقيم إلى تقويض الثقة بالنفوذ المستقبلي.
إن دمج الرؤية المنسوبة إلى بايك مع التحليل المعاصر يبيّن أن الصراعات الكبرى ليست لحظات عابرة، بل محطات ضمن مسار طويل لإعادة تشكيل النظام الدولي. ويمكن النظر إلى الصراعات الحالية، العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية، بوصفها امتدادًا لهذه المرحلة الثالثة، حيث يتم استنزاف القوى، وإعادة صياغة القيم، وتهيئة الأرضية لنظام عالمي متعدد الأقطاب أكثر توازنًا.
التكنولوجيا المتقدمة، والرقمنة، وتطوّر أدوات الحرب، تضاعف الضغط على المجتمعات لقبول هذا التحول، وتُظهر كيف تتحول النزاعات إلى وسائل لإعادة التنظيم الهيكلي للعالم، مع إبقاء الشعوب تحت ضغط دائم يعيد ترتيب أولوياتها وقيمها، ويجعل أي مقاومة عالية الكلفة.
قد يشكّل صعود قوى إقليمية ودولية جديدة عائقًا أمام الرؤى الأحادية، ويفتح المجال أمام انتقال تدريجي نحو نظام متعدد الأقطاب، حيث لا تستطيع قوة واحدة فرض هيمنتها المطلقة. عندها، تصبح إعادة التوازن بين النفوذ والشرعية والقيم الأخلاقية التحدي الحقيقي لعالم اليوم.
الخلاصة أن القوة التي تُدمّر القيم تفقد قدرتها على الاستدامة، بل تتحول إلى عامل تهديد للنظام الدولي نفسه. فمن العدوان خارج الأطر الدولية، إلى التدخلات التي تتجاهل سيادة الدول، يتضح أن أي نفوذ طويل الأمد لا يمكن أن يُبنى على انتهاك دائم للمعايير والقوانين.
العالم اليوم أمام اختبار حاسم: إما الاصطفاف دفاعًا عن القيم والأخلاق تمهيدًا لنظام عالمي متعدد الأقطاب، أو القبول باستمرار نظام أحادي قد يحتاج تغييره إلى عقود. وبما أن بايك لم يتحدث عن حرب رابعة، فقد يتحدث عنها آخرون، لكنها، إن وقعت، ستكون على الأرجح الأخيرة، بما تحمله من إمكانية بناء عالم تحكمه قوانين أكثر إنسانية وإنصافًا.

