الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:04 AM
الظهر 11:53 AM
العصر 2:57 PM
المغرب 5:26 PM
العشاء 6:42 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

حين تتحول القرارات الإدارية الإسرائيلية إلى سيادة

الكاتب: نبهان خريشة

لم تعد إسرائيل بحاجة إلى إعلان رسمي عن ضم الضفة الغربية أو أجزائها، فمرحلة التصريحات الكبرى والخطابات الاحتفالية تجاوزها الواقع. ما يجري اليوم هو ضم فعلي، صامت، متدرج ينفذ عبر قرارات حكومية وإدارية وقانونية، يتراكم أثرها السياسي والجغرافي والديمغرافي إلى أن تصبح السيادة أمرا واقعا لا يحتاج إلى إعلان. وفي هذا السياق، تندرج القرارات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية، وعلى رأسها إلغاء العمل بالقانون الأردني الذي كان ينظم منع تملك الأجانب للأراضي في الضفة الغربية، وضم قبة راحيل في بيت لحم، وإلحاق الحرم الإبراهيمي بالتجمع الاستيطاني اليهودي في الخليل، بوصفها خطوات ضم مكتملة الأركان تمس الأرض والمقدسات والهوية معا.

إلغاء القانون الأردني ليس إجراءً تقنيا أو قانونيا معزولا، بل هو قرار سيادي بامتياز. هذا القانون لم يكن مجرد نص تشريعي قديم، بل كان أحد آخر الحواجز القانونية التي تحول دون فتح الضفة الغربية أمام التملك الأجنبي (وبالتحديد التملك الاستيطاني اليهودي) بصيغ مباشرة أو عبر وسطاء. حين تزال هذه الحماية القانونية، فإن الأرض الفلسطينية تتحول إلى سلعة مفتوحة أمام رأس المال الاستيطاني والمؤسسات الصهيونية العابرة للحدود، ما يعني تسريع السيطرة على الأرض عبر أدوات السوق، لا عبر الجرافة وحدها. إنه ضم اقتصادي وقانوني يمهد لضم سياسي كامل.

أما ضم قبة راحيل في بيت لحم، فهو ليس اعتداء على موقع ديني فحسب، بل هو تفكيك ممنهج للحيز الجغرافي الفلسطيني. قبة راحيل، التي تحولت منذ سنوات إلى ثكنة عسكرية محصنة، تستكمل اليوم بقرار سياسي يكرس فصل شمال بيت لحم عن جنوبها، ويحول المدينة إلى جيب محاصر، بلا امتداد طبيعي أو سيادة مكانية. هنا، يتداخل الديني مع الجغرافي والأسطوري مع العسكري، في مشروع هدفه إعادة رسم الخريطة بما يخدم الرواية الصهيونية ويقضي على أي إمكانية لمدينة فلسطينية متواصلة.

وفي الخليل تتخذ عملية الضم طابعا أكثر وقاحة وخطورة. إلحاق الحرم الإبراهيمي بالتجمع الاستيطاني اليهودي لا يعني فقط سلب الفلسطينيين حقهم في إدارة أحد أهم مقدساتهم الإسلامية، بل يعني تحويل قلب مدينة فلسطينية تاريخية إلى مستوطنة دينية-أمنية، تدار بعقلية الاحتلال. الخليل، التي تعيش أصلًا نظام فصل عنصري ميداني صارخ، يعاد تعريفها اليوم كفضاء استيطاني، تُمنح فيه الأولوية للمستوطن على حساب السكان الأصليين، وتشرعن فيه الهيمنة الدينية بالقوة العسكرية.

هذه القرارات، مجتمعة، لا يمكن قراءتها إلا بوصفها ضما فعليا، حتى وإن لم يرفع العلم الإسرائيلي رسميا فوق هذه المناطق. فالضم لا يقاس بالشعارات، بل بالسيطرة: من يملك الأرض؟ من يدير المقدسات؟ من يفرض القانون؟ ومن يحدد هوية المكان؟ والإجابة في كل هذه الأسئلة باتت واضحة ومقلقة.

أمام هذا الواقع، يصبح السؤال الأهم: كيف يجب أن يكون رد الفعل الفلسطيني؟ من الواضح أن البيانات المنددة، والتغريدات الغاضبة، والإحتجاجات الدبلوماسية الشكلية، لم تعد توازي حجم ما يجري. السلطة الفلسطينية، بوصفها كيانا سياسيا وإداريا، مطالبة اليوم بالخروج من نمط الردّ التقليدي، والانتقال إلى أفعال سياسية وميدانية ووطنية ملموسة، تضع إسرائيل أمام كلفة حقيقية لسياساتها، بدل الاكتفاء بإدارة الخسارة.

الإجراءات الممكنة ليست سرا ولا مستحيلة. على الصعيد السياسي، يمكن (بل يجب) إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل، ووقف التعامل مع الواقع بوصفه "نزاعا" قابلا للإدارة، والاعتراف به كضم وعدوان يستوجب تفكيك منظومة التنسيق والالتزامات أحادية الجانب. وعلى الصعيد القانوني، يمكن تفعيل المسارات الدولية بشكل جاد، لا كأدوات رمزية، بل كجزء من استراتيجية مواجهة طويلة النفس، تراكم الضغط وتحرج الاحتلال في ساحاته المفضلة.

ميدانيا، المطلوب ليس دعوات عامة، بل حماية فعلية للأرض والمقدسات عبر تعزيز الوجود الشعبي الفلسطيني، ودعم صمود الناس في المناطق المستهدفة، لا تركهم وحدهم في مواجهة المستوطنين. الوطن لا يحمى بالخطابات، بل بالبشر الذين يتركون اليوم بلا غطاء سياسي حقيقي. أما وطنيا، فإن استمرار الانقسام وتآكل الثقة بين الشارع والقيادة يشكلان هدية مجانية للمشروع الاستيطاني. لا يمكن مواجهة ضم شامل بعقلية مجزأة، ولا الدفاع عن المقدسات في ظل شرعية منقوصة.

إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط ما تفعله إسرائيل، بل تطبيع التعامل الفلسطيني الرسمي مع هذه الأفعال بوصفها "تطورات" يمكن امتصاصها. فالضم، حين لا يواجه، يتحول إلى وضع دائم، وحين يدار بدل أن يقاوم، يصبح قاعدة لا استثناء. نحن أمام لحظة تاريخية فارقة: إما الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الفعل، أو القبول الصامت بتحويل الضفة الغربية إلى كانتونات بلا أرض ولا سيادة ولا مقدسات.

ما يجري ليس اختبارا للخطاب الفلسطيني، بل لاختياراته. والقرارات الإسرائيلية الأخيرة ليست نهاية المسار، بل بدايته العلنية. أما السؤال المفتوح، فهو: هل ستبقى السلطة أسيرة الأدوات القديمة في مواجهة مشروع جديد ووحشي، أم ستجرؤ على اتخاذ موقف غير تقليدي، بحجم ما يرتكب على الأرض؟

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...