جائزة فلسطين العالمية للشِعر فلسطين تنتصر بالشِعر، وينتصر بها
الكاتب: المتوكل طه
اليوم، وفي رام الله، ومن متحف الشهيد الرئيس ياسر عرفات، وما يحمله المكان من رمزيّة عالية، تمّ الإعلان، رسميا، عن جائزة فلسطين العالمية للشِعر، بالشراكة مع التجمّع الدولي للكُتّاب، وحركة الشِعر العالمية برئاسة الشاعر فرناندو ريندون رئيس الحركة ومهرجان مديين الدولي للشِعر، واتحاد عموم إفريقيا الذي يضمّ أربعة وخمسين اتحادا، برئاسة الكاتب النيجيري والي أوكيديران. وأُعلن عن إطلاق فرع فلسطين في التجمّع الدولي للكتّاب، ومقرّه موسكو، بحضور رئيس التجمّع الكاتب والمسرحي البارز يوري بونوليكانيكوف.
إن هذا الحشد الكونيّ الذي يلتقي على أرض فلسطين، يعني أنها قِبْلة الدنيا المُعافاة والصحيحة، وأن العالَم الحُرّ قد تأكد أنها عتبة راسخة مضيئة لإطلاق روح الإبداع العالمي، من خلال هذه الجائزة السامقة، عبر الشِعر، باعتباره حالةً تبشّر بكلّ ما هو إنسانيّ، وينحاز للقيم المطلقة، ويزدهر في أزمنة المقاومة والصعود، والجموح المتوثّب نحو الخلاص، ويتغيّا الجَمال، في مواجهة البشاعة والاحتلالات والاستلاب، ويعلو بغنائه ليظلّل الكون بعروقه الساطعة.
إن هذه الجائزة هي انتصار لفلسطين، التي تواجه كلّ أشكال الفاشية والمحو والإبادة، وقتل الإرادة، بكلّ الطرائق الحضارية والمفردات الإنسانية. كما أن الشِعر ينتصر بفلسطين، التي أضحت نموذجا لقوّة الحياة، ومجابهة القوى العمياء والعنصرية المتغطرسة، التي تسعى إلى القضاء على مناحي الاستقرار والسلام والأمن والتنمية، في شتّى الدول، بمسوّغات استعمارية ومرافعات خائبة. وأعتقد أن هذا الحدث يعبّر عن أهمية الثقافة الفلسطينية، وخاصة الشِعر، الذي استطاع أن يُطبّق الآفاق، ما يستوجب أن تنهض المؤسسات المعنية لمواصلة الإفادة من زخم التضامن الدولي مع فلسطين، بعد أن أصبحت شوارع العالَم فلسطينية. وهنا أُسجّل الشكر والتقدير لما قام به اتحادنا، بجهود متواصلة حاسمة وجادّة، عبر حراك قارّيٍّ دؤوب ومنتم، للأمين العام للاتحاد أخي الاستاذ مراد السوداني، الذي ولدت على يديه هذه الاقتراحات الجَمالية والمساندة والكبيرة. وكان الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، قد أعلن في تموز الماضي عن إطلاق "جائزة فلسطين العالمية للشِعر" من كولومبيا، بالتعاون مع مهرجان ميديين الدولي وحركة الشِعر العالمية، كمنصة دولية تضامنية، وتستهدف الشعراء الملتزمين بالقضية الفلسطينية، مع جوائز مادية وترجمة للقصائد الفائزة. وتمّ الإعلان في ختام الدورة الـخامسة والثلاثين لمهرجان ميديين الدولي للشعر في كولومبيا، عن توقيع ستة وأربعين شاعراً عالمياً على بيان تضامن مع فلسطين..ما يعزّز الجبهة الثقافية العالمية المساندة لفلسطين ضد الاحتلال، وتوثيق جرائم الإبادة في غزّة.
إنّ فلسطين، ومع هذه الجائزة الاستثنائية، تثبت أنها قادرة على الفعل والتجاوز، وعلى اختراق الأسوار وصدّ الكوابح، وتستطيع أن تجد المسارب الممكنة لتحضر في كلّ مربّع، وتكون بكامل حمولتها وسرديّتها وخطاباتها، لتواجه تهويد المعرفة الذي صبغ الأدبيات في أماكن حيوية وكثيرة، ومكّنت النقيض من تمرير سياقاته المزوّرة ومقولاته الناتئة الفوقية، وجعلته يحتكر صورة الضحية، عقودا ثقيلة.
إن ما تنادي به هذه الجائزة هو أن تهبّ كلّ المؤسسات "الخاملة" الرسمية والأهلية الفلسطينية، لتجد الأبواب المناسبة، لفتحها على المشهد الدامي، للتخارج مع الملايين الشرفاء، على هذا الكوكب، الذين يؤمنون بفلسطين، باعتبارها عنوان المظلمة والملحمة.
وإن ما تقترحه هذه الجائزة العظيمة؛ يكمن في أننا لم نستنفذ أوراقنا، ومكوّنات قوّتنا الناعمة، ودبلوماسيتنا الشعبية، وأننا قادرون إن أردنا!
وإن حصول أيّ شاعر أو مبدع على جائزة، إنما هو تشريف لكل الشعراء والمبدعين، ووثيقة اعتراف موقرة، بكل ما أنجزه أدباؤنا وكتّابنا، وفي كلّ المجالات. كما أن هذه الجائزة سنوية، من أجل استقطاب كلّ الشعراء في العالم. وقد قام اتحادنا بتأسيس فرع حصري للتجمع الدولي للكتاب في فلسطين، وهو أول فرع للتجمع الدولي. ويأتي هذا الانجاز في إطار اتفاقيات تعاون تزيد على عشرين اتفاقية، وقّعها الاتحاد، خلال السنوات الماضية، في إطار خلق جبهة ثقافية عالمية من أجل فلسطين.
وسيظلّ الشِعر قادراً على الاختراق والحضور بهالته وسطوته وأناقته، رغم حالات الزبد والتشظي والحدود، وغياب النقد ودور النشر والمنابر، ورغم نداءات الإعدام الصادرة بحق هذا المقدّس المهيب.
ومع الألفية الثالثة، التي تتصدر بواباتها العولمة والكارتيلات الطائشة على الدماء، والاقتتال والتمزّق الإقليمي، والوباء الغامض المخيف، والأسواق المتحكّمة، والأسلحة المرعبة والتقنيات، وحيث تسعى التكنولوجيا إلى التقليل من حجم العالم، والتعمّق فيه، وتفكيك مكوّناته ودقائقه، وتغيير أشكاله بما في ذلك من توجيه من "إهانات" للطبيعة بقصد "تصحيحها"، وحيث تسعى السياسة إلى تقريب الحدود أو إلغائها، وإلى تجميع الكيانات من خلال بنك واحد أو صندوق مالي مشترك أو جوازات سفر لها قوّة السياحة والانسياح، وحيث يسعى الاقتصاد إلى تقزيم الحكومات وتفريغ الشعوب إلى مجرد مستهلكين، وحيث يتم السعي"للمهارة" و"الكفاءة" على حساب كل شيء وأي شيء، وحيث تسعى الفلسفة إلى فهم أو محاولة مقاربة هذه "النهاية" أو البحث عن أعداء محتملين أو كامنين، أو معرفة اتجاه التاريخ، وكأن البشر وصلوا حقاً إلى النهاية! وحيث يتّجه العقل البشري، مرة أخرى لفهم الأسطورة بوساطة التكنولوجيا، التي تؤسس أسطورتها، لأن للتكنولوجيا أساطيرها أيضاً..تبرز أهمية الابداع، لأن الشِعر سيجد نفسه قبالة تحديات أخرى كبيرة، بدءاً مما أفرزته دول العالم الأول في القرن العشرين، من صناعات لها وميضها النافذ، إلى ما أفرزته الإبداعات الأخرى من "متعة" و"فن" و "لذة"، وخصوصاً أن الألفية الثالثة، ستزيد من قوة الإبصار، وسيشكل البصر الدعامة الأولى والأكثر أهمية في تلقّي مكوّنات العالَم، وستشكل "الشاشة" قناة اتصالنا الأكثر ضرورية لنا، فكل شيء يتحوّل إلى معلومات على الشاشة، وكل شيء سنراه في الجهاز، وستتم رؤيتنا من خلال شاشة، ليس إلاّ! وستشكل هذه الشاشة علاقتنا مع العالم الذي سيتحوّل هو الآخر إلى صورة، وليس إلى كلمة. سنتحول إلى البصري على حساب المقروء. وفي هذه الأثناء، يطوّرون لغة عالمية تعتمد الصورة وليس الحرف "ليتعارف" البشر فيما بينهم، وما لغة الكمبيوتر المتعددة إلا جزء من لغة عالمية تشيع وتنتشر معتمدة في ذلك على "قوة البصر". وسيبقى أمام كلّ ذلك الشِعر، لأنه جميل، فيه فانتازيا حرّة، انسيابية، سائلة، وغرائبية لا حدود لها، ومنطق تختفي فيه الحدود والجغرافيا والمنطق، ما يجعل الشعر مغريا للآخرين "لاستغلاله".. فيفتحون نصوصهم على عروق الذَهب وشرايين البرق المضيئة فيه، لإكساب هذه النصوص تلك المسحة الخارقة من جنون الكلام، وشبق الركض في غابات من الغرائبية الرائعة.
إن "استلاب" الشِعر من قبل نصوص أخرى يدل دلالة قاطعة على أن ما في الشِعر، ذلك الغامض، والساحر في آن معاً، يشكل دائماً تلك الساحة الخلفيّة التي نتعرّى فيها أمام الشمس والريح، لندع أجسادنا تلتقط راحتها، ولأرواحنا أن تفيض كما تريد وترغب.
وإن ذهاب الفنون باتجاه الشعر، يدل أيضاً، على أن للشِعر قوة لا تنتهي.
وأقول؛ إن ما قام به اتحاد الكتّاب عبر أخي مراد، وبإصرار لافت وعناد وطنيّ، وما تركه الأدباء والمبدعون الفلسطينيون، طيلة سنوات صعبة، من خطوات وبصمات مضيئة، يفتح الآفاق إلى مزيد من تنظيم الأداء، وتضافر الجهود المخلصة، بعيدا عن الحرائق الصغيرة والمناكفات والصغائر، حتى نليق بفلسطين وتليق بنا.
مبارك لنا هذا الانجاز العظيم، ومبارك للشِعر. ومبارك أبا سيف.
الشِعر بريء، بدائي، غامض، ذاتي، تلقائي، مجنون. الشِعر اختراع قديم قديم، بل حاجة لا بدّ منها. الشعر ابن الخوف والتضرّع والتأمل، والشعر ابن النزعات والرغبات والخلجات الأولى.
وكما هو الأمر دائماً..الشعر يبقى، وما بعده يزول.

