حكومة اسرائيل تعهد لمستويات سيادية بإجراءات ضم لا تقبل التأويل
الكاتب: تيسير خالد
في الخامس عشر من الشهر الجاري صادقت الحكومة الاسرائيلية على مقترح تقدم به الثلاثي وزير القضاء ياريف ليفين، ووزير المالية ووزير الاستيطان في وزارة الجيش بتسلئيل سموتريتش، ووزير الجيش يسرائيل كاتس ويقضي باستئناف عملية تسجيل الأراضي في الضفة الغربية المحتلة ، بتفعيل ما كانت الحكومة الاردنية قد بدأته قبل العام 1967 وتوقف بفعل حرب الأيام الستة . بفعل الحرب وما ترتب عليها من نتائج اوقفت سلطات الاحتلال عملية التسجيل لتعود اليها من جديد في العام 2026 في خطوة تنطوي على كل معاني الضم الفعلي ، الذي تتجنب جكومة الاحتلال الاعلان عنه رسميا . وكانت حكومة الاحتلال قد مهدت لهذه الخطوة خلال الأشهر الماضية عبر إجراءات وقرارات وزارية وحكومية أعقبت قراراً مبدئياً صدر عن "الكابينيت" قبل نحو ستة أشهر تناول مسألة الضم والسيادة الإسرائيلية في الضفة.
من الناحية العملية، ينص القرار على إنشاء إدارة خاصة للتسوية تعمل تحت إشراف هيئة تسجيل حقوق الأراضي ، مع إقامة مكاتب إقليمية لتنسيق وتنفيذ عملية التسجيل بشكل متدرج ويطلب من قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال إتمام تسوية أوضاع 15% من أراضي الضفة الغربية بحلول نهاية عام 2030 بهدف تحويلها لى اراضي دولة وقصر تطبيق القرار في المرحلة الراهنة على المنطقة (ج) فقط ، وتخصيص 244.1 مليون شيكل إسرائيلي لإجراءات الاستيطان على مدى السنوات الخمس المقبلة، وتخصيص وظائف لـنحو 35 موظفاً في وزارة العدل، ومركز رسم الخرائط الإسرائيلي، ووزارة الجيش ، والإدارة المدنية ، على ان تدار عملية التسجيل من قبل هيئة إسرائيلية تابعة لوزارة العدل وما يتطلبه ذلك من إنشاء إدارة استيطانية داخل هذه الوزارة تحت إشراف هيئة تسجيل حقوق الأراضي والاستيطان الإسرائيلية، والتي ستكون مسؤولة عن تسجيل الأراضي في الضفة الغربية .
تقول اوساط مطلعة أن حكومة الاحتلال اتخذت هذا القرار بناء على دراسة جرت في عدد من الوزارات الحكومية بعد قرار مبدئي للكابينت بهذا الشأن قبل عام ونصف العام بهدف "إنهاء الجمود" السائد منذ سنوات عديدة في المنطقة بالنسبة لتسوية الأراضي ، حسب زعم هذه الاوساط وبما ينسجم مع احتياجات المنطقة ، خاصة في ضوء مرور السنين وانعدام اليقين الناشئ بالنسبة لبعض الأماكن . تضيف المصادر كذلك بهذه الطريقة تحاول الحكومة الاسرائيلية وقف عملية موازية تديرها السلطة الفلسطينية منذ بضع سنوات . وفي الشروحات لقرار الحكومة تقول هذه الاوساط إن الأمور بالغة في أهميتها في ضوء حقيقة أن السلطة الفلسطينية تدير بنفسها تسوية أراضً بما في ذلك مناطق ( ج ) وأقامت من اجل ذلك سلطة مستقلة خاصة مهمتها تنفيذ تسوية الأراضي"، رغم أنه بالنسبة لأراضي المنطقة ( ج ) لا تعد هذه الخطوة من ضمن صلاحياتها وتتعارض مع الاتفاقات معها حسب المزاعم الاسرائيلية .
عدد من المهتمين الاسرائيليين صنفوا هذه الخطوة في ضوء الاجراءات ، التي رافقت قرارات الكابينت قبل أسبوع بشأن الضفة الغربية وأكدوا أنه من الصعب فهم المعنى العميق للخطوات التي تمت المصادقة عليها سوى انها ضمٌّ زاحف ليس للمنطقة المصنفة ( ج ) بل وللضفة الغربية، من دون إعلان رسمي بشأنه، خشية من إغضاب الرئيس ترامب الذي يعارض هذه الخطوة بشدة. يقول د. ميخائيل ميلشتاين ، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة تل أبيب بأنه " تبرز في القرارات ثلاثة مكونات رئيسة : تسهيل الإجراءات المتعلقة بشراء الأراضي من طرف اليهود، وتوسيع نطاق الرقابة وفرض القانون في المناطق (أ) و(ب)، وهي خطوة يُتوقع أن تضعف السلطة الفلسطينية التي يرى كثيرون في الحكومة أنها عدو لا يقلّ خطورة عن "حماس"، بل يتمنون انهيارها، ويخططون له، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على مجموعة من المواقع الأثرية والدينية، وعلى رأسها الحرم الإبراهيمي .
بدورها قالت زهافا عالئون ، الرئيسة السابقة لحزب ميرتس ، الذي اندمج مع حزب العمل في حزب جديد يطلق على نفسه " الديمقراطيون " إن الإسرائيليين، في معظمهم، لا يعرفون علامَ اتفق نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش ضمن ما نسميه هنا "المجلس الوزاري السياسي - الأمني". يدور الحديث حول سلسلة قرارات تصعب قراءتها، تتعلق بتنظيم الإدارة البيروقراطية لشراء الأراضي في منطقتَي A وB. في الواقع، لا يعرف معظم الإسرائيليين كيف تبدو هذه المناطق على الخريطة، فمن بعيد، يبدو الأمر كأنه قصة بيروقراطية مملة لا تهمّ سوى الفلسطينيين ، لكن القرارات التي اتخذها المجلس الوزاري تتعلق بالسيطرة الإسرائيلية على الأراض، وهذا شأن يخصنا جميعاً؛ إذ يكمن خلف ستار البيروقراطية الثقيل إلغاءٌ فعلي لاتفاق أوسلو واتفاق الخليل ، واعتراف بسيط بأن كلمة دولة إسرائيل لا تساوي الحبر الذي كُتبت به، ويتضح أن توقيعها الرسمي على اتفاق دولي أقل أهمية من كلمة نتنياهو .
أما حركة "السلام الآن" الإسرائيلية فقد " حذرت من أن قرار حكومة الاحتلال بدء عملية تسجيل الأراضي يعتبر فعلياً استيلاءً إسرائيلياً على مساحات واسعة جديدة من الضفة الغربية ، حيث أن المغزى الرئيس لتنفيذ تسوية الأراضي في المنطقة (ج) هو التجريد الجماعي للفلسطينيين من معظم أراضيهم في المنطقة وتسجيلها باسم الدولة ، فبدء عملية تسجيل الأراضي في الضفة الغربية، يعتبرمن الناحية العملية استيلاءً إسرائيلياً على نحو 83% من المنطقة (ج) أي حوالى 50% من الضفة الغربية وان أي أرض لا يستطيع الفلسطينيون إثبات ملكيتهم لها وفقاً لمتطلبات الدولة الصارمة في الإثبات، ولن يتمكنوا من ذلك، ستعلن أرضاً للدولة ".
خطورة قرار حكومة الاحتلال واضحة تماما ولا يحتاج الى تفسير من حيث ارتباطه بسياسة رسمية تفرض بالتدريج حقائق على الارض على طريق الضم الفعلي لمساحات واسعة من اراضي الضفة الغربية بإعلان رسمي لا مواربة فيه ، ولا تعفي إدارة الرئيس دونالد ترامب من المسؤولية . إدارة الرئيس دونالد ترامب لا تستطيع دفن رأسها في الرمال والادعاء بأن ما يجري على الارض ليس ضما رسميا ، تعهدت لعدد من الدول العربية والاسلامية بمعارضته . فالمسألة باتت واضحة ، فعملية التسجيل سوف تجري من قبل هيئة تابعة لوزارة العدل الاسرائيلية من خلال إدارة استيطانية داخل الوزارة الإسرائيلية تعمل تحت إشراف هيئة تسجيل حقوق الأراضي والاستيطان الإسرائيلية ، وقائد القيادة الوسطى في جيش الاحتلال سوف يقوم بما عليه بتعديل القوانين الاردنية ذات الصلة ونقل إدارة تسجيل الأراضي في المنطقة (ج) من الإدارة المدنية التابعة للجيش إلى وزارة العدل بمخصصات تبلغ نحو 151 مليون شيقل لهذا الغرض ، أما عمليات المسح المرافقة لسجل الاراضي فسوف تدار من مركز المسح الإسرائيلي ، الذي يعتبر وحدة تابعة لوزارة الإسكان الإسرائيلية بمخصصات إجمالية قدرها 83.9 مليون شيقل ، كل ذلك من اجل تنظيم 15% من المنطقة المصنفة ( ج ) خلال خمس سنوات، إذ يحدد قرار الحكومة هدفاً لتنظيم المناطق غير المنظمة في هذه المنطقة من المساحة الاجمالية للمنطقة (ج) ، التي تبلغ حوالى 3.3 مليون دونم، منها حوالى 1.4 مليون دونم تم تنظيمها بالفعل منذ العهد الأردني، وحوالى 1.7 مليون دونم غير منظمة تعتزم سلطات الاحتلال تنظيم 15% منها، أي ما يقارب 290 ألف دونم، خلال خمس سنوات .
وعلى كل حال هذه ليست اول محاولة للسطو على اراضي الفلسطينيين من خلال تحويلها الى اراضي دولة ، فبعيد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، قامت سلطات الاحتلال الاسرائيلي بنقل ملكية الأراضي التي كانت تديرها السلطات الأردنية والأراضي المسجلة بأنها أراضي دولة منذ العهد العثماني، والتصرف بهذه الأراضي لمسؤوليتها ، كما جمدت عمليات تسجيل الأراضي ، وألغت جميع التسجيلات الاردنية غير المكتملة وبهذا حرمت الفلسطينيين من حق التصرف في ملكية أراضيهم . وقد بلغت مساحة هذه الأراضي غير مكتملة التسجيل ما يقارب 527 ألف دونما، ومع نهاية العام 1973 قامت سلطات الاحتلال بإضافة أكثر من 160 ألف دونم كأراضي دولة، واستمرت سلطات الاحتلال بسياستها الهادفة لنهب الأرض الفلسطينية، حيث قامت بالإعلان عن أكثرَ من 900 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية كأراضي دولة بين الأعوام 1979-2002 . واستمراراً لسياسة نهب الأرض الفلسطينية من خلال إعلانها أراضي دولة قامت هذه السلطات بعد ذلك بإعداد مخططات تسجيل لأكثر من 660 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية لتسجيلها كأراضي دولة. وبذلك يبلغ مجموع الأراضي المصنفة كأراضي دولة في الضفة الغربية أكثر من 2,247 ألف دونم أي ما يعادل حوالي 40% من إجمالي مساحة الضفة الغربية .
لا ينبغي التقليل من خطورة هذه السياسة الاسرائيلية ، خاصة وقد جاءت صياغتها من أطراف سيادية في دولة الاحتلال : وزارة الجيش ووزارة القضاء ووزارة المالية ، هي سياسة ضم معلن تتحدى الجميع بدءا بالادارة الاميركية مرورا بالدول العربية والاسلامية ، التي صدقت أكاذيب دونالد ترامب ومزاعمه بأنه يعارض سياسة الضم الاسرائيلية وانتهاء بالمجتمع الدولي ، الذي يقف عاجزا عن ردع هذه السياسة بإجراءات عملية من بينها الكف عن التعامل مع اسرائيل باعتبارها دولة استثنائية فوق القانون بفرض عقوبات عليها ، تماما كما حدث مع دولة جنوب افريقيا في عهد الفصل والتمييز العنصري البائد . أما على الجانب الفلسطيني فإن الحفاظ على المشروع الوطني بات يتطلب مراجعة للسياسة ، التي سارت عليها القيادة الفلسطينية . فقط هو الجانب الفلسطيني ، الذي يعتقد ان اتفاقيات اوسلو ما زالت قائمة ، وفقط هو الجانب الفلسطيني المعني بالرد على هذه السياسة الاسرائيلية ، التي دمرت تلك الاتفاقيات ودمرت ما يسمى حل الدولتين . أما الرد ففي متناول اليد ، إنه احترام قرارات الاجماع الوطني بإعادة بناء العلاقة مع اسرائيل باعتبارها دولة احتلال كلونيالي استيطاني ودولة فصل وتمييز عنصري والبدء دون تردد في إعداد الاوضاع الفلسطينية لانتفاضة شعبية واسعة تفتح الطريق امام عصيان وطني يدفع المجتمع الدولي الى التدخل بوسائل تتجاوز ازدواجية المعايير والقرارات التي لا رصيد لها.

