الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:55 AM
الظهر 11:53 AM
العصر 3:04 PM
المغرب 5:35 PM
العشاء 6:51 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

بيان المئة دولة، معركة المرجعية بين الأمم المتحدة و"مجالس الوصاية" الجديدة

الكاتب: د. مروان إميل طوباسي

لم يكن صدور بيان مشترك عن نحو مئة دولة قبل أيام ، من بينها الصين وروسيا وعدد من الدول الأوروبية والعربية، رفضاً لإعلانات حكومة الأحتلال الاستعماري بشأن ضم مناطق في الضفة الغربية ، مجرد حدث دبلوماسي عابر . إنه مؤشر على صراع يتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية ، ليطال جوهر النظام الدولي ومرجعيته المفترضة.
فالضم ليس خطوة إجرائية ، بل إعلان صريح بأن القوة يمكن أن تحل محل القانون وبأن الإستعمار يعاد تعريفه . إنه اختبار مباشر لمبدأ عدم جواز الأستيلاء على الأراضي بالقوة ، أحد الأعمدة التي تأسس عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية . وعندما تُصر حكومة الأحتلال على تكريس الضم كسياسة معلنة بعد ان كان زاحفاً بصمت ، فهي لا تتحدى شعبنا الفلسطيني فحسب ، بل تضع منظومة الشرعية الدولية أمام اختبار جديد ، كما فعلت منذ انتهاكها القرار ١٨١ الأممي وما تلاه دون أن تواجه إجراءً رادعاً ، ما شجعها على التمادي حتى اللحظة ككيان مارق فوق القانون .

غير أن الأخطر من الضم ذاته هو الإطار السياسي الذي يُراد له أن يحتضنه ، فالمشهد الدولي يشهد محاولات أمريكية متكررة لتهميش الأمم المتحدة كمرجعية ملزمة ، واستبدالها بأطر انتقائية محدودة التمثيل ، تُدار وفق موازين القوة لا وفق قواعد القانون . فالإدارة الأمريكية تقوم منذ فترة بطُرح مقاربات سياسية أعادت تعريف الأحتلال كقضية قابلة لإعادة الصياغة عبر صفقات ، لا كحالة قانونية يجب إنهاؤها . 

واليوم ، وبانعقاده كنادي سياسي برئاسة "ترامب" الأبدية ، يعود الحديث عن ما يُسمى “مجلس السلام” وهيئاته وترتيبات بديلة ، بما يفتح الباب لتجاوز المرجعية الأممية وإعادة هندسة الصراع خارج إطارها وبديلاً عن القانون الدولي وإنهاء الأحتلال .

من هنا ، فإن بيان المئة دولة يُمثل رفضاً مزدوجا ، رفضاً للضم ورفضا لمحاولة استبدال الشرعية الدولية بمرجعيات بديلة . فقبول الضم يعني عمليا الإقرار بأن ميزان القوة وفائضها هو المصدر الحقيقي للشرعية ، وأن قرارات الأمم المتحدة يمكن الالتفاف عليها عبر ترتيبات سياسية مؤقتة .

إن الحديث عن “وصاية” أو “إدارة انتقالية” خارج الإطار الأممي وانتهاك قرارتها أو تفسيرها الأحادي من جانب الولايات المتحدة كما جرى بخصوص قرار مجلس الامن الأخير حول غزة ليس حلاً ، بل إعادة تدوير للأحتلال الإستعماري . 

فالوصاية التي لا تنتهي بإنهاء الأحتلال في سياق جدول زمني واضح وتمكين شعبنا الفلسطيني من تقرير مصيره ، تتحول إلى صيغة أخرى من السيطرة . والخطر هنا لا يكمن فقط في تغيير الحدود ، بل في إعادة تعريف الحقوق نفسها ، من حقوق ثابتة غير قابلة للتصرف ، إلى ملفات قابلة للمساومة .

ان اجتماع هذا العدد الكبير من الدول ، رغم تباين مواقعها الجيوسياسية وتحالفاتها ، يعكس إدراكا متزايدا بأن القضية الفلسطينية أصبحت معياراً لصلابة النظام الدولي . فإذا جرى تمرير الضم دون تبعات ، فسيكون ذلك إعلانا ضمنياً بأنتصار منطق القوة ودعم مبدأ الإستعمار من جديد ، وبداية تآكل تدريجي لمفهوم السيادة الوطنية والقانون الدولي في مناطق أخرى من العالم .

لكن البيان ، مهما بلغ حجمه ، لن يكون كافيا إذا بقي في إطار اللغة الدبلوماسية . فالدفاع عن الأمم المتحدة لا يكون بالتصريحات ، بل بالإجراءات المتمثلة في ضرورة دعم مسارات المساءلة القانونية والعقوبات  ومقاطعة اسرائيل ككيان أستعماري يمارس التمييز العنصري وجرائم الإبادة والتطهير العرقي ، وذلك لحماية المؤسسات الدولية من الضغوط السياسية ورفض أي أطر بديلة تنتقص من المرجعية الأممية أو تفرغها من مضمونها .

أما فلسطينياً ، فإن اللحظة تفرض مسؤولية مضاعفة ، فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض على أهمية ذلك ، بل على الوجود وفي تعريف الإطار الذي تُدار فيه القضية . هل تبقى ضمن منظومة القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ، أم تُنقل إلى فضاء الصفقات السياسية وإعادة توزيع النفوذ ؟ إن أي قبول بمرجعيات بديلة ، تحت عناوين “السلام الواقعي” أو “الإدارة المؤقتة”، يحمل في طياته خطر تثبيت الأحتلال لا إنهائه .

الضم والإجراءات المرتبطة بإعلانه  ، حتى وإن كان يتقدم بصمت منذ سنوات عبر الأستيطان والوقائع الميدانية ، يمثل محاولة لإغلاق الأفق النهائي للدولة الفلسطينية . أما تجاوز الأمم المتحدة ، فهو محاولة لإغلاق أفق القانون ذاته . وبين المسارين ، تتحدد طبيعة المرحلة المقبلة ، إما تثبيت قواعد النظام والقانون الدولي ، أو تكريس سابقة خطيرة تعيد صياغته على صورة موازين القوة .

إن بيان المئة دولة ليس نهاية المعركة ، بل بدايتها . هو فرصة لإعادة الإعتبار للشرعية الدولية ، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية تحوله من موقف إلى فعل . ومن جانبنا إلى استراتيجية وطنية ببرنامج وأدوات واضحة سندا للقرار الفلسطيني المستقل ووحدة الموقف الوطني وبديمقراطية الممارسة وتوسيع المشاركة لإعادة استنهاض منظمة التحرير كجبهة وطنية عريضة وفق مكانتها الأممية وكممثل شرعي وحيد وقائدة للتحرر الوطني لتعزيز صمود شعبنا وتمكينه من المواجهة ، بدلاً عن تنفيذ اشتراطات وأملاءات خارجية تُضعف وحدتنا أو تُدخلنا في صراعات مجتمعية . 

فالقضية الفلسطينية لم تعد مجرد نزاع إقليمي ، بل أصبحت اختباراً عالمياً ، فهل يبقى القانون مرجعية ملزمة ، أم يتحول إلى نص قابل للتعديل وفق الهيمنة وإرادة الأقوياء والعودة الى إباحة مفهوم الإستعمار من جديد ؟

التحدي اليوم لا يقتصر على منع الضم ، بل يتعداه إلى منع إعادة تدوير الأحتلال تحت مسميات “السلام البديل” أو “الوصاية المؤقتة” . إنها معركة دفاع عن المرجعية الدولية ، وعن حق الشعوب في تقرير مصيرها ، وعن فكرة أساسية يجب أن تبقى حاكمة ، بأن القانون ومبادئ الحرية والعدالة ومقاومة الأحتلال وفق المواثيق الدولية والتي أقرت للشعوب  ذلك ، يجب أن تعلو على القوة ، لا أن يُعاد تعريفها على صورة القوة الغاشمة اليوم

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...