️ نقطة ضوء.. “فِش حدا مْدَوِّر علينا”
الكاتب: د . عدنان ملحم
ليس السؤال: من هجّرهم؟ السؤال: من كان يراقبهم وهم يُهجَّرون؟ ومن سمع الرجل يقول: «اضطررنا للرحيل قسرًا… لا نعلم إلى أين نذهب»، ثم مضى إلى شأنه؟
في تجمع الخلايل بالقرب من بلدة المغير ، شرق رام الله، خرجت إحدى عشرة عائلة من بيوتها كما يخرج الهواء من رئةٍ مثقوبة. لا بيان يُغضب، لا استنفار يُقلق، لا غضب يليق بالمأساة. شاحنة تمضي بأطفالٍ يسألون عن خيمة، وأرضٌ تعتذر لأبنائها لأنها لم تعد قادرة على حمايتهم.
«فش حدا مدوّر علينا» ليست جملةً عابرة؛ إنها عنوان مرحلة. مرحلةٌ يُصبح فيها التهجير خبرًا عاديًا، والجريمة سطرًا، والسطر نسيانًا. يبدأ الأمر بخيمةٍ تُفكّ، وبئرٍ تُغلق، وقطيعٍ يُساق، ثم يتحوّل الوطن إلى مشروع ترحيلٍ مؤجَّل.
ما يؤلم ليس عنف المستوطنين وحده، بل اعتيادنا عليه. أن يُصبح الرحيل قدرًا إداريًا لا جريمةً سياسية. أن يقول الرجل: «لا نعلم إلى أين سنذهب»، فلا يجد من يجيبه: إلى هنا… إلى صدورنا، إلى شوارعنا، إلى غضبنا.
كيف صرنا نُحصي العائلات المُهجَّرة كما نُحصي الطقس؟
يومٌ مشمس، غدًا بارد، بعد غدٍ ماطر… وهكذا.ألم يعد التهجير صفعةً توقظ ما تبقّى فينا من وطن؟ ألهذا الحدّ تآكلت المناعة؟.
هل نحن الشعب الذي كان هنا في عام 1987؟ أين جيل الجامعات ، ومجالس الطلبة، والنقابات ، ولجان الشبيبة والعمل التطوعي ، والاتحادات النسوية؟ إلى أي ذاكرةٍ ينتمي ياسر عرفات ،وعبد الرحيم محمود ؟ .
هي ليست شكوى فرد، بل شهادة شعبٍ يتراجع كلما ظنّ أنه ثبت. نظامٌ يُجيد إدارة الأزمة ولا يمنعها، وفصائل تخاطب ذاتها أكثر مما تخاطب شعبها، ومجتمعٌ أنهكه الانتظار حتى ظنّ أن الصمت حكمة.
في الخلايل لم تُهجَّر إحدى عشرة عائلة فقط؛ هُجِّر معنا شيءٌ من يقيننا بأن أحدًا «مدوّر علينا». الخطر ليس أن يرحلوا… الخطر أن نعتاد رحيلهم.
اليوم هم، وغدًا مدينةٌ أخرى. وطنٌ يغرق، ونحن نتشاغل بانتخابات بلديةٍ وقروية، تقسم البلاد والعباد، وتشعل نيران العصبية والعائلية والقبلية ، فيما الحصار يضيق. أيُّ شعبٍ نحن؟ نحن لسنا هكذا.

