الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:47 AM
الظهر 11:52 AM
العصر 3:07 PM
المغرب 5:41 PM
العشاء 6:56 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

المقاومة والغباء المدقع!

الكاتب: بكر أبوبكر

تتخذ الثورة أو المقاومة أو الجهاد أشكالًا متعددة فهي مقاومة الظلم أو الثورة عليه، والكفاح ضد الظالم سواء أكان محليًا أو خارجيًا بمعنى أن الظُلم عامة هو المبرّر الأصل والعادل لأي ثورة أو كفاح أو جهاد أو نضال، وإسلاميًا وفق الآية الكريمة "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" (الحج:39) فهي  الآية الأولى التي أجازت قتال الظَلَمة من أي صنف، وخاصة عندما يكون الإخراج من الديار هو السبب كما تصرح الآية "الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق"(الحج:40)، وبشرط بالأخذ بأسباب النصر كافة. 
وبالنسبة لقائد الثورة الاشتراكية "لينين" فإن المقاومة تأتي مع الصراع الطبقي وهي مقاومة الطبقات العاملة الكادحة للرأسماليين الذين يمتصون دماء الشعوب، ولا تشمل فقط التظاهر بل والمساحات الفكرية والاقتصادية والسياسية، (وحاليًا لك أن تضيف القانونية والرواية والاعلامية والتواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، والتقانة) ولأن الطبقات المستغِلة (بكسر الغين) لن تتنازل عن امتيازاتها فوجب الصراع والمقاومة هنا، ثم وسّع المفهوم ليتخذ من مقاومة المستخرِب (المستعمِر) شكلًا هامًا من الثورة العالمية وبالتالي حق للشعوب في تقرير مصيرها، ويأتيك لديه ثالثًا مقاومة الثورة المضادة.
توسع المفهوم النضالي والصراع ضد الظلم -عن وعي وليس غباء،الذي هو مع بدء الخليقة- بالعصور الحديثة مع قيام الثورات بالقرن العشرين ضد الاستخراب الغربي (الاستعمار) العنصري الدموي الاستنزافي للشعوب. ومع "هوشي منه" في فيتنام أصبحت الثورة الوطنية تعني بطرد المحتل الأجنبي واستعادة السيادة وقد يوازيها الثورة الاجتماعية أو يعقبها (في حركة فتح تأصيل حول هذا الموضوع)، وافترض قائد الثورة الفيتنامية "هوشي منه" أن الثورة لتقوم يجب أن تكون شعبية، رغم الاعتماد كما فعل مع "الجنرال" جياب على حرب العصابات (المليشيا/الغوريلا).
وفي نموذج الثورة الجزائرية العظيمة فهي لم تؤمن قط بأوحدية السلاح بالمواجهة، بل قرنت المكونات الثلاث معًا وهي: الوحدة الوطنية والنضال السياسي والدبلوماسي والاعلامي والحلفاء مع الكفاح المسلح ومع المقاومة الشعبية بإشراك كافة فئات الشعب لانتزاع حق تقرير المصير، فالثورة والمقاومة حق أصيل للشعوب تحت الاحتلال ورد فعل اخلاقي مقبول من الدين والعرف ومن قوانين الأمم المتحدة.
وعندما تحدث الثائر الكبير الرئيس الجزائري هواري بومدين عن الثورة والدولة ربط الفكر بالقيم من خلال شعاره الثنائي: العمل واليقظة.
عندما وضعت قوانين المقاومة الشعبية سواء المسلحة أو السلمية لم يكن السياق غبيًا أوعشوائيا فالتزمت ب3 مباديء أساسية هي 1-الطليعية حيث يقود التنظيم الطليعي المبادر الثورة و2-هو تنظيم مدرك واعي وبقيادة واعية مسيّسة عندها بُعد نظر، يستند لنظرية وفكر وخطة واضحة، و3- فإن عمله وثورته ذات أهداف لا تعني بهدم القديم (الظلم، الاستعمار، الاحتلال) فقط وإنما بإقامة نظام جديد.
وعندما كتب المفكر الكبير منير شفيق عن الثورات كان يركز على وضوح العدو والقيادة الراشدة الموحدة والحذر من التدخلات الخارجية والمحاور، وهو ما بلورته نظرية الزعيم ياسر عرفات العملية لاحقًا بمعنى الاستقلالية في المحيط العربي أي باعتبار الثورة الفلسطينية هي القاطرة بالقطار العربي لا انفكاك عن ذلك مهما اختلفت الأزمان والظروف، فالقضية الفلسطينية عربية وإسلامية وليست فلسطينية فقط.
وفي حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح عندما تبنت الثورة والمقاومة والكفاح بكل أشكاله منذ انطلاقة الثورة المعاصرة عام 1965م، لم يكن ذلك عشوائيًا غبيًا بل ارتبط بأفكار ومباديء أخلاقية عميقة مما سبق من مباديء وقيم وثورات فكانت مكمّلة لثورات وهبّات وانتفاضات عربية فلسطينية سابقة، وعربية وعالمية وارتبطت بقيم انسانية سامية كما ارتبطت الثورة عامة ومنها العربية الفلسطينية بحبل وثيق مع الجماهير (كالسمكة في الماء كما قال الزعيم الصيني "ماوتسي تونغ" قائد الثورة بالصين الحديثة) لذلك كانت توصياته التي أخذت بها حركة فتح بالتعامل المؤدب واللطيف والمحترم مع الشعب باعتباره المقياس الأساس لمدى تغلغل الثورة أو لفظها (أنظر قواعد الاهتمام الثماني لماو، وأنظر قواعد السلوك ال12 لهوشي منه، وأنظر لحركة فتح في قواعد المسلكية الثورية في المجالات المختلفة التي منها بالمجال الجماهيري، وعلى رأسها احترام الجماهير والتعلم منها وتعليمها، ووحدتها والالتحام بها).
سارت حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها الثورية على الحافة بين تطلعات الجماهير وضرورة احترامها والحفاظ على حياتها ومعيشتها وصمودها، وبين تخيّر وسيلة النضال الأفضل. وبالتالي فدائها بالنفس وبالأهداف والفكر والقيم والأداء الذي يحقق النصر بتراكمية النضال، وليس بمنطق الغباء المدقع بالضربة القاضية أو العشوائية! لعلمها اليقين بفارق القوة الفظيع حيث التحالف الإسرائيلي-الأمريكي الامبريالي ومطلق التوحش عند العدو. وإن أخطأت في مراحل فإنها سرعان ما كانت المراجعات والتقويم هي السِمَة داخلها وهكذا تم اجتياز المراحل حتى الانتقال للبدء برسم معالم الدولة الفلسطينية عبر السلطة الفلسطينية ذات الحكم الذاتي المحدود طريقًا ومعبرًا لها، بعجرها وبجرها، والتي عملت السياسة الاسرائيلية على وأدها، وهي التي انجرفت نحو اليمين الفاشي فالعدوان والنقض لكل الاتفاقات واعتناق الأساطير والذبح الجماعي والإبادة الجماعية خاصة بعد مقتل "رابين" حتى اليوم، على الأقل.
بالتعريج على الحدث منذ المذبحة وجرائم الحرب والمقتلة الأعظم بالتاريخ الحديث والإبادة الجماعية في قطاع غزة (وبالضفة) في 17/10/2023 أي منذ مذبحة المعمداني بغزة نجد أن كل ما ذكرناه من مباديء وقيَم سارت عليها الثورات قد أصبحت في مهب الريح، فلا عمل يقظ كما قال هواري بومدين، ولاإدراك ولا وعي للمتغيرات ومستجدات الأحداث كما حال الثورات عامة، ولا تحقق تحرير بل إعادة وتكثيف للاحتلال، حيث الفروق الطاغية بين أسلوب ارتبط بخيالات وأوهام وافتراضات طوباوية سرعان ما سقط، فلم تكن العدّة للنصر (السريع المفترض!) قد استكملت، ولم يكن الوعي المنفرد (وليس الأصل: أي الوطني الجامع) على درجة إدراك المخاطر على الأرض والقضية والشعب، ومما زاد الطين بلّة أن استحكم الغباء فأخذتهم العزة بالإثم، فلا اعتراف بالفضيحة المدويّة، أي النتيجة القاتلة للشعب والأرض والقضية، ولا مراجعات ولا مكاشفات أمام الجماهير بعد أكبر مذبحة ومقتلة ومظلمة بالتاريخ الحديث، وإنما سارت الأمور وكأن الشعب والتاريخ ينسى أو سيتسامح! 
قررت القيادة الفلسطينية (بمجملها أو كثرتها) نتيجة إدراكها لحجم المتغيرات والمستجدات الفظيع، وخفوت النور-وقد يقول قائل بل عن ضعف وضغوط وتدخلات خارجية، لا نشك بوجودها - أن المركب سيسير وفق ثلاثية (وحدة القيادة أو السلطة، وحدة القانون، وحدة السلاح) لاسيما بعد عديد التجارب الفاشلة في قطاع غزة المنكوب مكرّر، وعلى مدار سنوات من حكم الفصيل الانقلابي، وفي الضفة أيضًا وبطريقة التعامل بين المختلفين فكان لقرارها الصدى، لاسيما وحجم التواطؤ الفظيع من القريب والبعيد الذين يتكاملون على قتل تحقيق استقلال دولة فلسطين القائمة بالحق الطبيعي والتاريخي والقانوني والسياسي، لكنها تحت الاحتلال.
اليوم نحن بأشد الحاجة لأخذ العِبَر والمراجعة -ما كتبنا عنه وغيرنا مرارًا- فلا يجوز تكرار التجربة مرة وثانية وثالثة وبنفس الطريقة الغبية، وبنفس الأدوات وبنفس الشخوص ونفترض أننا سنحقق شيئا جديدًا أو نحقق اختراقًا (أنظر اينشتاين: تكرار نفس الخطأ وتوقع نتيجة مختلفة)، ونحن عقلنا مازال أجوفًا أو انقباضيًا، بل "وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ" (سورة إبراهيم: 43) حيث لا عقل ولا تعقل، بل سارت الأمة منذ المذبحة العظمى تحت وابل من رصاصات الاستحمار والاستغباء عبر التهييج والتحشيد والتضليل والتطبيل للأوهام والأكاذيب وكأن النصر وراءنا، ونحن لم نتخذ لمقوماته منذ المقتلة العظمى كامل الأسباب.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...