هذه الموجة العالمية من الملاحدة ومدّعي التجديد الديني
الكاتب: د. أحمد رفيق عوض
وهي موجة عالية حقاً، بذلك الكم الكبير من المطبوعات والمنصات والمواقع الإلكترونية، وهي عالية بذلك الضجيج أو الهراء إن شئت، فالراكبون على هذه الموجة – المربحة على ما يبدو – يدّعون مهاجمة الجمود والتخلف، ويدّعون الإصلاح والتصحيح وتنظيف التراث من أخطائه وخطاياه، بعضهم لا يعلن إلحاده، بل يخفي ذلك بحرصه ورغبته في الإصلاح، وبعضهم الآخر يجاهر بأن هذا الدين لم يعد يكفي لتغيير العالم أو فهمه، بل أكثر من ذلك، هناك من يقول منهم إن الدين يُشوّه العالم ويقدّم رؤية ظلامية كارهة وعدوانية.
وبرأيي، إن منشأ هذه الموجة، وهي متعددة الطبقات والجبهات وتختلف فيما بينها إلى حدٍ كبير، تعود للأسباب التالية:
أولاً: إن الإلحاد – كظاهرة تاريخية معروفة – اتجاه عقلي وسيكولوجي معروف، له رموزه ومنطلقاته وحتى لغته، كل الملاحدة واللا دينيين يتحدثون بذات اللغة تقريباً، والقرآن الكريم يقدّم لنا صورة نموذجية للعقلية والسيكولوجية الرافضة والعنيدة والمتكبّرة رغم كل الدلائل، فإبليس يرفض الإذعان والخضوع للإرادة الإلهية، ولا يكتفي بذلك، بل يهدد أيضاً بأنه سيغوي البشر.
وبرأيي الشخصي، فإن الإلحاد ليس موقفاً عقلياً بقدر ما هو اتجاه سيكولوجي، فالإلحاد هش جداً أمام الدلائل العقلية، ولكن الكِبر والعناد أكثر صلابة واستمراراً.
ثانياً: لابد من الإشارة إلى عمليات التمويل والدعم المالي والغطاء السياسي أيضاً لهذه الظاهرة، إذ لا يمكن التغاضي عن عمليات الترويج والتلميع والتنسيق والتنويع في المنصات والأُطر الناظمة، ولابد أيضاً من الإشارة إلى مراجع فكرية وسياسية غربية تحدّثت عن ضرورة تغيير الوعي وتعديل الأولويات وخلق نُخب مثقّفة تعمل على استدخال المناهج الغربية وأساليبها في إعادة الدراسة والنظر في التراث، لا يمكن فصل هذه الموجة عن كل ذلك.
ثالثاً: انبهار شديد بالعلمانية ومصطلحاتها ونماذجها ومرجعياتها على اختلاف التعريفات لهذه العلمانية التي تقدّم مفاهيم ومبادئ بالغة الإدهاش وتعرض بدائل أرضية دنيوية للدين، فالمساواة والمواطنة والحرية والرقابة والانتخاب وقوانين السوق وقدرة الناس على صنع مصائرهم، كل ذلك يبدو بديلاً مغرياً للدين الذي يحدد سقوفاً ويضع حدوداً لحركة المجتمعات البشرية، والانبهار بالعلمانية يقود إلى انبهار بمن يمارسها فعلاً وقولاً، وهذا يفسر انبهار رموز موجة الإلحاد ومدّعي التجديد الديني بالنماذج الغربية واحتقارهم لبني جلدتهم.
رابعاً: هناك مزايا شخصية يتّصف بها بعض هؤلاء، مثل الخفة والطيش وعدم التخصص والرغبة في الشهرة والبحث عن الثروة والارتزاق، بغض النظر عن المصدر أو الجهة، ومثل هذه الصفات تُستغل جيداً من قِبل أنظمة ومؤسسات وجماعات لاستخدام رموز هذه الموجة لتمرير السياسات أو الأفكار، يندر حقاً أن تجد من رموز هذه الموجة من يتّصف بالرسوخ في علمه والرسوخ في أخلاقه، الخفة والجهل والطيش يشجع كثيراً من هؤلاء على اقتحام مجالات فقهية لا يعلمون منها إلا القشور.
هناك أسباب أُخرى لهذه الموجة الواسعة والعالية، منها الشعور بالهزيمة وانعدام النموذج وغياب المعايير وسيطرة التفاهة واختلاط الحابل بالنابل وتوفر المنصات والمواقع والفضائيات، وكذلك بسبب قيم التنافس والاستهلاك والمادية.
والسؤال هو: ماذل يريد هؤلاء حقاً؟
بالنسبة لهم فإنهم يريدون تعليمنا الدين من جديد، ويريدون إدخالنا عالم الحداثة والتكنولوجيا، ويريدون تخليصنا من الأوهام والأكاذيب والمبالغات، وأن نُعدّل سلوكنا بما يتوافق مع حقوق الإنسان والقانون الدولي، إلى آخر ذلك من الشعارات، سنصدّق ذلك وسنسألهم كيف تفعلون ذلك وبأي الطرق، وهنا الكارثة الحقيقية، هم ببساطة يقومون بعملية بالغة المكر والدهاء، فهم يفصلون بين النص والمفسّر، أي يعزلون النص المقدّس عن لغته ومقاصده وطبقات تفسيره وتأويله حسب المعايير التي أُسست ببطء وإحكام على مدى مئات السنين، ليأتي شخص لا يعرف العربية جيداً ليفسّر النص المقدّس حسب أهوائه وأهواء من يُشغّله، وحسب مصالحه وحسب مصالح من يدفع له، يقوم هذا المتفذلك بتقديم تفسير باطني تأويلي أو حتى تفسير ظاهري سريع ليقدّم لك إسلاماً غريباً ولكنه مناسب.

