ٱلتَّحَالُفُ ٱلسِّدَاسِيُّ يسعى للتوسع، بغية انجاز ٱلشَّرْقِ ٱلأَوْسَطِ ٱلإِسْرَائِيلِيِّ
الكاتب: د. محمد عودة
قبل أن نغوص في تفاصيل أهداف التحالف السداسي، يجب أن نوضح نقطة جوهرية: مشروع الشرق الأوسط الجديد ليس قدرًا محتومًا، ولا واقعًا لا يمكن تغييره. بالرغم من وفرة الأدوات العسكرية والسياسية والإعلامية، يبقى نجاح المشروع مرتبطًا بمدى التفرد بالدول المستهدفة وهشاشتها الداخلية. إذا تمكنت هذه الدول من تكاتف شعوبها وحكوماتها، وتنسيق جهودها في تحالف موحد، يمكنها إفشال محاولات التفكيك والتقسيم.
القوة الداخلية، وحدة القرار، والتضامن بين الدول المستهدفة، هي المعادلة التي تحول الاستراتيجية الأجنبية من واقع مفروض إلى خطة قابلة للفشل والإحباط، بما يكفل توازن المنطقة واستقلاليتها. هذه الحقيقة تمثل الأساس الذي يجب أن ينطلق منه أي تحليل للشرق الأوسط الجديد، لأن قدرة المنطقة على الصمود هي العامل الحاسم الذي يضمن حقوق الشعوب المستهدفة.
إسرائيل وأمريكا، مستندتين إلى رؤية برنارد لويس، وجدتا ضالتهما في مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي يسعى لإعادة رسم خريطة المنطقة على أسس عرقية وطائفية ومذهبية، مستفيدًا من هشاشة البنية الداخلية لبعض الدول وصراعاتها الداخلية. هذا المشروع لم يكن مجرد تحليل أكاديمي، بل أداة تستثمر هذه الانقسامات الداخلية لإنجاز الأهداف المرجوة.
منذ البداية، كانت إيران تمثل العقبة الكبرى أمام المشروع، فدولتها القوية نسبيًا ومواردها الهائلة وجغرافيتها الاستراتيجية جعلتها حجر عثرة أمام النفوذ المباشر للتحالف السداسي، الذي يضم إسرائيل والولايات المتحدة واليونان وقبرص وأرض الصومال والهند. فعلى الرغم من الانقسامات العرقية والطائفية في إيران، مثل الفرس والأذريين والأكراد والعرب والبلوش والتركمان والأقليات الدينية، فإنها لم تكن كافية لتفكيك الدولة أو السيطرة عليها بسهولة.
ولهذا السبب لجأ التحالف إلى أدوات متعددة، منها دعم جماعات محلية معارضة، شن حملات إعلامية لتضخيم الانقسامات الطائفية والعرقية، فرض ضغوط اقتصادية وسياسية، واستغلال الأزمات الإقليمية لتقليص قدرة إيران على المناورة. وعندما لم تكن هذه الأدوات وحدها كافية، انتقل التحالف إلى الهجوم العسكري المباشر واستهداف القيادات العليا، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى، لإحداث فراغ قيادي وزيادة الانقسامات الداخلية، لتسهيل تقسيم الدولة داخليًا على المحاور العرقية والطائفية. في هذه المرحلة، لم تعد إيران مجرد دولة هدف، بل أصبحت مختبرًا استراتيجيًا للتحالف السداسي لاختبار فاعلية التدخل العسكري والسياسي والإعلامي قبل تطبيقه على بقية دول المنطقة.
ربما تصبح تركيا الهدف القادم كما صرح بذلك أكثر من مسؤول إسرائيلي، الدولة الكبرى التي تتميز بتنوع عرقي وطائفي واسع، أبرزها التوترات الكردية والانقسامات بين العرب والأتراك والأقليات الأخرى. إسرائيل منذ زمن تروج لأن تركيا تدعم الإرهاب من خلال استخدام الإعلام والدعاية، وممارسة الضغوط الاقتصادية والسياسية، بهدف خلق مناطق نفوذ تقلل من قدرة الحكومة على اتخاذ القرار الموحد.
سوريا، التي كانت في خضم صراعات مسلحة منذ 2011، أصبحت نموذجًا لاستنزاف الدولة المركزية، عبر دعم جماعات مسلحة، تدخلات سياسية وعسكرية، وحرب إعلامية وطائفية، بحيث تتقوض القدرة على إدارة الدولة بشكل مستقل كخطوة على طريق تقسيمها على أسس طائفية ومذهبية: دولتان سنييتان، دولة علوية، دولة كردية وأخرى درزية.
لبنان، بنظامه الطائفي الهش وانقسامات فصائله السياسية، أصبح ساحة يسهل التحكم بها. دعم مليشيات وأطراف محددة جعل الدولة عاجزة عن تحقيق وحدة القرار، وأصبح نفوذ الخارج على القرار الداخلي واضحًا، مع خلق مناطق نفوذ يمكن من خلالها إدارة سياسات الدولة بشكل غير مباشر، أيضًا على طريق تقسيم المقسوم: مسيحيين، دروز، سنة وشيعة.
اليمن، بفوضاه المستمرة منذ 2014، تحول إلى ساحة نفوذ متعددة الأطراف، حيث استُغل الانقسام بين الشمال والجنوب، القبائل، المكونات الطائفية، والصراع على الموارد الاقتصادية لجعل الدولة غير قادرة على التحكم في كامل أراضيها.
فلسطين، بانقسامها بين الضفة الغربية وقطاع غزة، شهدت تدخلات لدعم مجموعات محددة والضغط على القيادة الفلسطينية لتعميق الانقسام الداخلي الذي ترعاه إسرائيل، لأنه يعزز نفوذها ويمنحها ذريعة للتهرب من الحلول السياسية.
أما السعودية ومصر، رغم أنهما لم تتعرضا لتقسيم جغرافي مباشر، واجهتا ضغوطًا اقتصادية وسياسية مستمرة تهدف إلى تقليص القدرة على اتخاذ القرار المستقل وضمان السيطرة على الموارد والخطوط الاستراتيجية الحيوية.
إضافة إلى ذلك، فإن تقسيم الشرق الأوسط ليس هدفه سياسي فحسب، بل يحمل بُعدًا استراتيجيًا واقتصاديًا بالغ الأهمية. إعادة صياغة النظام العالمي على المقاس الأمريكي يتطلب شرقًا أوسطًا ممزقًا ومتصارعًا، بحيث يصبح كل طرف ضعيفًا من الداخل ومفتوحًا على التأثير الخارجي، مما يجعل النفوذ الأمريكي والإسرائيلي مطلقًا.
كل ذلك من أجل السيطرة على موارد الطاقة الهائلة، من نفط وغاز في إيران والعراق والسعودية وليبيا واليمن، والسيطرة على غالبية الممرات البحرية والبرية الحيوية، من مضيق هرمز مرورًا بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط، مما يمنح القدرة على إدارة تدفق الموارد العالمية والتحكم في حركة التجارة الدولية. بهذا يصبح التقسيم الداخلي للدول أداة استراتيجية لفرض النفوذ الخارجي، وتهيئة المنطقة لإعادة هندسة النظام الإقليمي والدولي بما يخدم مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل على المدى الطويل.
عند النظر إلى التسلسل الزمني للأحداث، يظهر نموذج العراق في 2003، حيث استُغلت الانقسامات الطائفية لتسهيل النفوذ الأمريكي والإسرائيلي، تلاه السودان بانفصال الجنوب في 2011، ثم ليبيا في نفس العام، حيث تم استغلال الانقسامات القبلية والجغرافية، ثم اليمن منذ 2014، وسوريا وفلسطين ولبنان، ثم إيران وتركيا كنموذجين لتطبيق استراتيجيات التقسيم المباشر، أما السعودية ومصر فجاءتا في نهاية التسلسل، مع التركيز على الضغوط الاقتصادية والسياسية لضمان النفوذ إلى حين يصبح التقسيم ممكنًا.
التحالف السداسي لم يكتفِ بالتحليل الأكاديمي، بل انتقل إلى التنفيذ المباشر، بدءًا بإيران كنموذج أولي، مرورًا بالدول الأخرى، مستخدمًا الأدوات العسكرية والسياسية والإعلامية لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى. تجربة إيران أظهرت كيف يمكن تحويل دولة قوية نسبيًا إلى مختبر لتقسيم النفوذ، وخلق فوضى منظمة يمكن توسيعها لاحقًا على باقي الدول، بحيث يصبح المشروع متسلسلًا ودقيقًا، يعتمد على استغلال نقاط الضعف الداخلية لكل دولة على حدة.
في خضم التصعيد، نفت إيران استهداف الحقول النفطية مباشرة، بينما يبدو أن الطرف المستفيد هو الولايات المتحدة، التي تسعى لدفع السعودية نحو التحالف وتعطيل إنتاج النفط لرفع فرص بيع نفط فنزويلا بأسعار مرتفعة، فيما تشمل الأدوات الفاعلة الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تمتلكان اختراقات جدية في أجهزة إيران، ما يتيح تنفيذ العمليات وتحميل النتائج لإيران.
في النهاية، يظهر بوضوح أن القوة الذاتية للدول والمجتمعات، والتمسك بالقيم المشتركة الأخلاقية والسياسية، هي الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الاستقرار ومنع الانزلاق نحو مشاريع تقسيمية تهدد سيادة الدول والشعوب. الإرادة الداخلية وقدرة المجتمعات على مواجهة الانقسامات والاستغلال الخارجي هي العنصر الحاسم لإيقاف مسار هذا المشروع وإعادة التوازن للمنطقة، قبل أن تتحول إلى ساحة نفوذ لدول أجنبية تبحث عن مصالحها على حساب استقلالية الشعوب وأمنها، مع الحفاظ على الموارد الحيوية والممرات الاستراتيجية تحت السيطرة الوطنية.
وفي الختام، ما يحدث في الشرق الأوسط ليس مجرد صراعات داخلية عابرة، بل مشروع مدروس يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح خارجية محددة. على العالم أن يدرك خطورة هذا المخطط، وأن يتكاتف قبل فوات الأوان لإيقاف محاولات تقسيم الدول وإخضاع شعوبها، والحفاظ على الاستقرار والسيادة الوطنية. فالصمت أو التهاون اليوم يعني أن الفوضى والتمزق سيكونان الوقود لهيمنة الخارج غدًا.

