الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:36 AM
الظهر 11:50 AM
العصر 3:11 PM
المغرب 5:48 PM
العشاء 7:03 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

في يوم المرأة العالمي ،،، النساء اللواتي يحملن المجتمع بصمت

الكاتب: د. ياسر أبوبكر

في كل عام، يأتي يوم المرأة العالمي محمّلًا بفيضٍ من الكلمات الجميلة والخطب الاحتفالية والعبارات المنمقة عن دور المرأة ومكانتها. لكن الحقيقة التي يعرفها كل من عاش تفاصيل المجتمع الفلسطيني ليست في تلك الكلمات. الحقيقة أن المرأة الفلسطينية لم تكن يومًا بحاجة إلى يومٍ واحدٍ في السنة ليعترف بدورها، لأنها ببساطة كانت دائمًا هناك  ،،، في قلب المجتمع، تدير تفاصيل الحياة التي تمنع هذا المجتمع من الانهيار.
فبينما تُكتب السياسة في العناوين الكبيرة وتُصاغ البيانات في القاعات الرسمية، تُكتب قصة الصمود الحقيقي في أماكن أخرى: في المدارس، وفي الجمعيات، وفي المبادرات المجتمعية، وفي البيوت التي تحمل عبء الحياة تحت ضغط الاحتلال والأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
وهناك، بعيدًا عن الأضواء، تقف المرأة الفلسطينية بوصفها واحدة من أهم القوى التي تحفظ توازن المجتمع واستمراره.
لهذا، فإن الحديث عن المرأة في يومها العالمي لا ينبغي أن يكون مجرد تهنئة عابرة، بل اعترافًا صريحًا بحقيقة بسيطة: أن كثيرًا مما يبقي هذا المجتمع واقفًا على قدميه تصنعه النساء بصمت، بينما تُنسب الإنجازات غالبًا إلى الواجهات التي تظهر في الصورة.
أقول هذا ليس انطلاقًا من خطاب احتفالي، بل من تجربة شخصية قديمة ما زلت أذكرها جيدًا. حين كنت رئيسًا للشبيبة الطلابية، كنا نبحث عن وسيلة عملية لدعم الطلبة المحتاجين. فقررنا تنظيم معرض للصناعات الوطنية داخل الجامعة يذهب ريعه لصندوق مساعدة الطلبة.
في تلك الدورة تولّت إدارة المعرض لجنة تقودها شابات من الحركة الطلابية. ما حدث يومها كان درسًا حقيقيًا في الإدارة المجتمعية. لم يكن المعرض ناجحًا فقط، بل كان نموذجًا في التنظيم والدقة والعمل الجماعي. الإقبال كان كبيرًا، والتنسيق كان محكمًا، والنتيجة كانت أرباحًا حقيقية مكّنتنا من دعم عدد كبير من الطلبة المحتاجين.
كررنا التجربة في العام التالي، وكانت القيادة مرة أخرى نسوية، ونجح المعرض للمرة الثانية على التوالي. لكن حين انتقلت إدارته لاحقًا إلى لجان يقودها شبان، تراجع الأداء والنتائج بشكل ملحوظ.
لم يكن ذلك منافسة بين الرجال والنساء، بل درسًا مبكرًا في فهم طبيعة القيادة المجتمعية. فالنساء غالبًا ما يدِرن العمل بروح مختلفة: روح تقوم على المتابعة الدقيقة، والعمل الجماعي، والانتباه للتفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرق بين فكرة عابرة وإنجاز حقيقي.
هذه التجربة الصغيرة ليست استثناءً، بل صورة مكثفة لواقع أوسع في المجتمع الفلسطيني. فالنساء يقمن بالكثير من العمل الذي لا يظهر في العناوين، لكنه يصنع النتيجة النهائية. إنه ما يمكن تسميته " العمل الخلفي " في السياسة والمجتمع.
من يكتب محاضر الاجتماعات التي تتحول لاحقًا إلى قرارات؟
من يدير شبكات الإغاثة في الأحياء والمخيمات؟
من ينسّق بين العائلات والمؤسسات في لحظات الأزمات؟
ومن يحافظ على تماسك النسيج الاجتماعي حين تضرب المجتمع العواصف؟
غالبًا ما تكون الإجابة: النساء.
وليس هذا جديدًا على التاريخ الفلسطيني. فمنذ البدايات المبكرة للحركة الوطنية والاجتماعية لعبت النساء دورًا محوريًا في العمل العام. ويكفي أن نذكر - على سبيل المثال لا الحصر - تجربة جمعية الاتحاد النسائي العربي الفلسطيني التي تأسست عام 1921، وكانت من أوائل الأطر المنظمة للعمل النسوي والاجتماعي في فلسطين، وأسهمت منذ نشأتها في دعم التعليم والعمل الاجتماعي وتعزيز حضور المرأة في الحياة العامة.
 مع الاعتذار مسبقًا عن أسماء كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، وهن كثر ويستحققن التقدير.
في نابلس والتي أخصها بالذكر  حيث مقامي فيها منذ زمن ، يعرف كل من عمل في الشأن الاجتماعي والخيري أن المرأة لم تكن يومًا على هامش العمل العام. فهناك نماذج نسوية كثيرة قادت العمل المجتمعي بصمت وكفاءة. ومن بين هذه النماذج تجربة أمين سر لجنة زكاة نابلس، وهي المرأة الأولى والوحيدة التي تولّت هذا الموقع منذ سنوات طويلة، وقد شهد لها القاصي والداني بالنزاهة والكفاءة والقدرة على إدارة العمل الخيري بمسؤولية عالية.
هذه النماذج لا تتصدر العناوين كثيرًا، لكنها في الحقيقة تمثل العمود الفقري للعمل الاجتماعي في مجتمعنا.
واليوم تشهد نابلس لحظة رمزية مهمة حين اختارت المدينة سيدة لتقود مجلسها البلدي القادم.
ولعل رمزية هذه الخطوة تتضح أكثر حين نتذكر أن بلدية نابلس تأسست عام 1869 في العهد العثماني، لتكون واحدة من أقدم البلديات في فلسطين والمنطقة. وعلى مدى أكثر من قرن ونصف تعاقب على رئاستها رجال كثيرون، لكن المدينة تفتح اليوم صفحة جديدة حين تتولى امرأة قيادة مجلسها البلدي لأول مرة منذ تأسيس البلدية.
ليست المسألة مجرد تغيير في الأسماء، بل رسالة أعمق تقول إن المجتمع الذي يدرك قيمة طاقاته البشرية لا يمكنه أن يترك نصف هذه الطاقات خارج دائرة القيادة.
فالنساء الفلسطينيات لم يكنّ يومًا مجرد متفرجات على التاريخ، بل كنّ دائمًا في قلبه: في التعليم، والعمل الاجتماعي، والإغاثة، وفي الحفاظ على تماسك المجتمع تحت ضغط الاحتلال والأزمات الاقتصادية والسياسية.
المشكلة لم تكن في غياب الدور ،،، بل في غياب الاعتراف.
فالكثير من العمل الذي تقوم به النساء يبقى في الظل، بينما تُنسب الإنجازات غالبًا إلى واجهات سياسية أو مؤسساتية لا تعكس حقيقة الجهد المبذول خلفها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: هل تستحق النساء موقعًا أكبر في الحياة العامة؟
بل سؤال مختلف تمامًا:
كيف يمكن لمجتمع أن يتقدم وهو لا يزال يتعامل مع نصف طاقاته البشرية باعتبارها طاقة احتياطية؟
وفي ختام هذا المقال، لا أستطيع أن أتحدث عن المرأة الفلسطينية دون أن أستحضر المرأة التي شاركتني رحلة العمر بكل ما فيها من صبر وألم وأمل.
تحية لزوجتي التي انتظرتني ثلاثة وعشرين عامًا وأنا في السجن، كما انتظرت آلاف النساء الفلسطينيات أزواجهن وأبناءهن خلف القضبان، وحملن وحدهن عبء الحياة والعائلة دون أن ينكسرن.
وتحية لأمي ،،، ولكل الأمهات الفلسطينيات اللواتي صنعن صمود هذا الشعب بصبرهن وإيمانهن العميق بالحياة.
وتحية لأخواتي شقيقاتي الأربع،
ولكل الأخوات اللواتي عملت معهن عبر السنوات وما زلت أعمل معهن في ميادين العمل الوطني والمجتمعي،
ولكل نساء فلسطين اللواتي يواصلن العطاء بصمت وإصرار في كل موقع وبيت ومؤسسة.

في يوم المرأة العالمي ،،،
التحية ليست فقط لمن وصلن إلى مواقع القيادة،
بل أيضًا لأولئك اللواتي يعملن بعيدًا عن الأضواء،
ويكتبن تاريخ المجتمع في التفاصيل الصغيرة التي قد لا يراها كثيرون ،،، لكنها في النهاية تصنع المستقبل.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...