الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:27 AM
الظهر 11:48 AM
العصر 3:13 PM
المغرب 5:53 PM
العشاء 7:08 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الشرق الأوسط بين إعادة الهندسة والانفجار الكبير

الكاتب: عبدالله كميل


ليست الضربات الموجهة إلى إيران مجرد تطور عسكري عابر في سجل الأزمات المزمنة التي يعرفها الشرق الأوسط، بل تبدو أقرب إلى حلقة في مسار جيوسياسي أوسع يتجاوز الحسابات التكتيكية إلى مستوى إعادة رسم ملامح النظام الإقليمي نفسه. وما يظهر على السطح بوصفه مواجهة بين إسرائيل وخصمها الإقليمي يخفي في العمق حركة استراتيجية تقودها الولايات المتحدة لإعادة صياغة توازنات القوة في المنطقة.

في هذا السياق، لا تتحرك إسرائيل فقط كدولة تدافع عن أمنها، بل كركيزة متقدمة في مشروع إقليمي يراد له أن يعيد تعريف مركز الثقل السياسي والعسكري والاقتصادي في الشرق الأوسط. فالقضية المطروحة اليوم ليست مجرد احتواء لنفوذ إيراني أو ضبط لبرنامج نووي، بل تتعلق بسؤال الهيمنة الإقليمية: من يملك مفاتيح النظام الإقليمي الجديد في القرن الحادي والعشرين؟

إن ما يجري اليوم يعكس إدراكاً متزايداً لدى واشنطن بأن البنية الإقليمية التي تشكلت خلال العقود الماضية قد دخلت مرحلة الشيخوخة السياسية، وأن الشرق الأوسط يقف على أعتاب لحظة إعادة تشكيل عميقة. وفي هذه اللحظة يجري الدفع نحو صيغة يصبح فيها التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي محوراً لإعادة ترتيب منظومة الأمن الإقليمي، بما يحول إسرائيل من قوة إقليمية متفوقة إلى مركز النظام الجديد.

غير أن التاريخ يعلمنا أن إعادة تشكيل الأقاليم لا تتم بإرادة قوة واحدة. فالشرق الأوسط لم يعد ساحة فراغ استراتيجي، بل بات نقطة تقاطع لمصالح قوى دولية صاعدة. فـالصين تنظر إلى المنطقة بوصفها عقدة أساسية في مشروعها العالمي المعروف باسم مبادرة الحزام والطريق، بينما رسخت روسيا خلال السنوات الأخيرة حضوراً عسكرياً وسياسياً جعلها لاعباً لا يمكن تجاهله في معادلات الإقليم. ومن هنا فإن أي محاولة لإعادة هندسة الشرق الأوسط ستصطدم حتماً بتشابك المصالح الدولية، ما يحول المنطقة إلى إحدى ساحات الصراع الكبرى في النظام العالمي المتشكل.

في المقابل، لا تبدو إيران مستعدة للقبول بدور هامشي في المعادلة الجديدة. فالدولة التي بنت نفوذها الإقليمي عبر عقود من التمدد السياسي والعسكري لن تتخلى بسهولة عن موقعها. وإذا ما شعرت بأن المشروع الجاري يستهدف إقصاءها استراتيجياً، فإن منطق التصعيد سيصبح الخيار الأقرب إلى عقيدتها الأمنية. وعندها قد يتحول الصراع من مواجهة محدودة إلى اشتعال إقليمي واسع تتداخل فيه الحروب غير المباشرة مع المواجهات العسكرية المباشرة، بما يدفع المنطقة نحو مرحلة طويلة من الاضطراب الجيوسياسي.

وسط هذا المشهد المعقد، يواجه العالم العربي امتحاناً تاريخياً حقيقياً. فالقضية لم تعد مجرد إدارة أزمة أو إصدار بيانات سياسية، بل تتعلق بموقع العرب في النظام الإقليمي الذي يتشكل أمام أعينهم. وإذا لم ينجح العرب في صياغة رؤية استراتيجية مشتركة تحمي مصالحهم وتحدد دورهم في معادلة القوة القادمة، فإنهم قد يجدون أنفسهم مرة أخرى موضوعاً لإعادة التشكيل لا طرفاً فاعلاً فيه.

إن الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة مفترق تاريخي بالغ الخطورة: إما ولادة نظام إقليمي جديد تُعاد فيه صياغة موازين القوة والنفوذ، أو انزلاق المنطقة إلى فوضى استراتيجية مفتوحة قد تمتد لسنوات طويلة. وفي الحالتين يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يمتلك العرب الإرادة والقدرة على صياغة مشروعهم السياسي قبل أن يُعاد رسم مستقبلهم مرة أخرى على خرائط الآخرين؟

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...