الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:27 AM
الظهر 11:48 AM
العصر 3:13 PM
المغرب 5:53 PM
العشاء 7:08 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

تَصْحِيحُ مَسارِ الثَّوْرَةِ كَمَا رآه مُبَكِّرًا البَاقِي فِينَا فَنَّانُ الثَّوْرَةِ عبد الله حداد

الكاتب: د. محمد عودة

قراءة جادة في فكرة تصحيح مسار الثورة من منظور الفنان الراحل عبد الله حداد، الملقب بـ "فنان الثورة الفلسطينية"، عبر تحليل وفهم أغنية الترانزيستور. وُلد في مدينة حيفا عام 1938، وتوفي في الدنمارك يوم الأربعاء التاسع من فبراير عام 1994، ودفن في مدينة أور هوس، التي تُعد ثاني أكبر مدينة في الدنمارك، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا وثقافيًا غنيًا ينتقل من جيل إلى جيل، ولا يمحوه مرور الزمن.

عُرف حداد كصوت ثوري وفني خالد، استخدم الأغنية والفن كوسيلة للتعبير عن المواقف الوطنية والقومية، وأحيانًا الإنسانية الأوسع، باذلًا كل جهد ممكن حتى تصل رسالته إلى قلوب الجماهير الفلسطينية بكل مركباتها، بدءًا من القبيلة، العشيرة، الديرة وحتى أقرب الناس إليه من الأصدقاء والخلان. من أبرز أعماله تأسيس فرقة "أطفال فلسطين"، وتقديم أغاني وطنية خالدة، بالإضافة إلى مشاركته في أعمال فنية متنوعة مثل "سمرا" و"أبو صياح الثاني عشر"، ما جعل فنه أداة لنقل القضية الفلسطينية بمكنونها الثوري إلى المستمعين من جميع الأعمار.

استخدم حداد في أغانيه الرمزية، النية والاستعارة لتقديم رسائل سياسية واجتماعية عميقة، مما جعل المستمع يقرأ بين السطور ويفكر في الواقع الذي يعيشه. فالترانزيستور، على سبيل المثال، يمثل الإعلام الذي كثيرًا ما استُخدم للتضليل والتهويل، إضافة إلى كونه الوسيلة الأسرع لنقل الأخبار.

قرار بيع الترانزيستور والعودة إلى رعاية الغنم يحمل رسالة رمزية يرفض من خلالها الفنان السيطرة الفكرية والسياسية على الجماهير، ويؤكد أن القوة ليست بالكلام وحده، بل بمعرفة كيفية نشره واستقباله. أما الشنتان، اللباس الداخلي التقليدي، فجاء ليذكّر الناس بالبساطة والجذور، وبأهمية التواضع في مواجهة التقدم والتكنولوجيا، وأن الوعي الفردي يبدأ من فهم تفاصيل حياتنا اليومية قبل مواجهة القوى الكبرى. وقد أراد أن يكون فنه متنوعًا، يلبي رغبات الجمهور بحيث يرقص في السلم ويقرأ القرآن في الحروب، بمعنى أن يتعامل مع الظرف ولا يكون عبدًا له

أما العودة إلى رعاية غنماته، ففيها رمزية العودة للجمهور، حيث أن من يبتعد عن نبض جمهوره متذرعًا بالتكتيك فقد فقد بوصلته والحاضنة إلى حماه. فالجماهير، التي يمكن قيادتها بسهولة إذا غاب عنها الوعي السياسي والاجتماعي، هي نفسها الدرع الواقي إذا أصبحت شريكًا حقيقيًا. التربية الوطنية والفكرية الصادقة للجماهير هي خط الدفاع الأول ضد الاستغلال.

استخدم الناقة لتوضيح الصبر والتحمل، وقدرتها على مواجهة المشاق، في إشارة إلى أن التكتيك الذي يُطالب فيه الجمهور بالرضوخ بدل استخدام الأدوات المناسبة لإنجاز الخطة الاستراتيجية يجعل الثورة بلا معنى. النضال ليس لحظة عابرة، بل رحلة تتطلب المثابرة والإرادة، وقدرة على التكيف مع البيئة الصعبة دون فقدان الهدف.

كما تضمنت أغانيه جدالًا وحوارًا ساخنًا يعكس الصراع بين مواقف التكتيك والمبادئ، حيث يرفض حداد التكتيك الذي يحوّل الجماهير إلى أدوات، ويؤكد أن الثورة الحقيقية يجب أن تنبع من المبادئ والوعي العميق، وليس من حسابات قصيرة المدى. في هذا الإطار يشير إلى الثورة الفلسطينية الكبرى، و"خميرتها" عند ياسر عرفات، كرمز لبذرة الوعي التي تحتاج إلى الصبر والتراكم لتتحول إلى قوة حقيقية.

اعتمد حداد أسلوب السخرية الرمزية بدل الخطاب المباشر، فجعل الرموز مثل الترانزيستور والشنتان والغنم والناقة أدوات تحفيزية للتفكير، تسمح للناس باستيعاب الرسالة بأنفسهم بعيدًا عن الموعظة المباشرة، ما يجعل الرسالة أكثر قوة وفاعلية. كما أراد مشاركة فكرة الثورة مع كل دوائر المجتمع، للعربي في عروبته، وللإنسان في إنسانيته، وللوطني في وطنيته.

عبد الله حداد لم يكن مجرد فنان يؤدي أغنية، بل كان برنامجًا مكتمل الأركان، ناقلًا للوعي ومرآة للمجتمع. استخدم الفن لتوجيه الجماهير، لتعزيز الهوية الوطنية والقومية، لنقد الظلم الاجتماعي والسياسي، ولخدمة القضايا الإنسانية. رسائله تثبت أن الفن يمكن أن يكون ثوريًا، قوميًا، وأمميًا في الوقت ذاته، وأن الكلمات والرموز يمكن أن تتحول إلى قوة تهز الوعي وتخلق مساحة للتفكير والتمرد. الأغنية عنده كانت أداة حقيقية لفهم الواقع والتحرك نحو التغيير، من أصغر دائرة في المجتمع إلى القضايا الوطنية والأممية الكبرى، محافظة على رسالته في العروبّة، القبيلة، العشيرة، الديرة وحتى الخلة

بهذا الجمع بين الرمزية العميقة والبساطة الشعبية، وبين السخرية والفكاهة والجدل السياسي، أصبح إرثه درسًا حيًا في الوعي والمقاومة والثقافة. أغانيه لم تكن مجرد وسائل ترفيه، بل كانت أدوات لإيقاظ الفكر، وتحفيز الانتماء الوطني، وإبراز روح المقاومة أمام الاستعمار والهيمنة، لتعلّم الأجيال الجديدة كيف يمكن للفن أن يكون وسيلة للتغيير الاجتماعي والسياسي.

لقد حرص حداد على أن تصل رسالته إلى كل مستمع، من قلب القرية والقبيلة وحتى المدينة الكبرى، مجسّدًا بذلك العمق الشعبي للفكر الوطني والثوري. زرع في كل بيت فلسطيني وعربي بذور الوعي، ونقل لهم مفاهيم الصبر، المثابرة، النقد الذاتي، والقدرة على مواجهة التحديات، كما فعل مع الرموز التي استخدمها: الترانزيستور ليحذر من السيطرة على الوعي، الشنتان لتذكير الناس بالتواضع والجذور، الغنم لتوضيح أهمية الوعي الجماهيري، والناقة لتعليم الصبر والمثابرة.

اليوم، ومع مرور السنوات على رحيله، تظل أغانيه نبراسًا للأجيال الشابة التي تبحث عن الهوية، وعن القدرة على التعبير عن حقوقها الوطنية والقومية، وتعمل على نقل هذه القيم إلى المستقبل، بعيدًا عن الانصهار في ثقافات استهلاكية أو الانجرار وراء سياسات تكتيكية قصيرة المدى.

إرث عبد الله حداد يذكرنا دائمًا بأن الفن يمكن أن يكون ثوريًا، قوميًا، وأمميًا في آن واحد، وأن الكلمات والرموز ليست مجرد أصوات، بل قوة حقيقية لتغيير الوعي، وصنع مجتمع واعٍ قادر على الدفاع عن نفسه ومصالحه، وصياغة مستقبله بحرية وعدالة. هكذا يبقى فنان الثورة الفلسطينية خالدًا في الذاكرة، ليس فقط بصوته، بل برسالته التي ما زالت تهز الضمائر وتلهم الأجيال.

ملاحظة: كتبت هذا المقال في ذكرى رحيل عبد الله حداد، لكن زخم الأحداث حال دون نشره في الوقت المناسب. ومع ذلك، فليس هناك وقت محدد للحديث عن الموسوعة الثورية المسماة عبد الله حداد

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...