الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:49 AM
الظهر 12:40 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:12 PM
العشاء 8:31 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

غزة على حافة المجهول

الكاتب: د. أحمد رفيق عوض

في غزة، لا شيء يسير بخط مستقيم. كل شيء هناك معلّق بين احتمالات مفتوحة، بين تهدئة مؤقتة وانفجار مؤجل. اللقاء الذي جرى في القاهرة بين نيكولاي ملادينوف وقيادة حركة حماس لم يكن تفصيلاً عابراً، بل هو مؤشر إضافي على أن المرحلة المقبلة تُطبخ على نار بطيئة، وربما قاسية.

الطرح كان واضحاً: سلاح حماس على الطاولة. بل أكثر من ذلك، هناك ما يشبه الإنذار المدعوم من الولايات المتحدة بضرورة حسم هذه المسألة. لكن الرد من حماس لم يكن أقل وضوحاً: لا حديث عن السلاح خارج سياق سياسي فلسطيني شامل، ولا معنى لنزع السلاح في ظل استمرار إسرائيل في احتلالها وحصارها. هذا ليس مجرد موقف تفاوضي، بل هو تعريف للصراع كما تراه الحركة.

ما بين هذين الموقفين، تتسع الفجوة. إسرائيل لا تبدو معنية باتفاقات مكتملة، ولا حتى بمراحلها الأولى. هي تفضل إدارة الصراع لا حله، وتبحث عن صيغة تُبقي غزة تحت السيطرة دون أن تتحمل عبء إدارتها الكاملة. ليس احتلالاً كلاسيكياً، ولا انسحاباً حقيقياً، بل شيء رمادي: سيطرة أمنية، ضربات محسوبة، واستنزاف طويل.

قد لا تعود الحرب بالشكل الذي عرفناه، اجتياحات واسعة وقصف شامل، بل ربما بشكل أكثر هدوءاً وخطورة في آن: ضربات متقطعة، عمليات مركزة، ضغط مستمر لا يترك للقطاع فرصة لالتقاط أنفاسه. هكذا تُدار المعارك حين لا يكون الهدف الحسم، بل الإضعاف التدريجي.

في المقابل، حماس لا تريد أن ترى غزة بلا قوة تضبطها. فكرة الفراغ الأمني ليست تفصيلاً، بل هاجس حقيقي. أي انهيار داخلي قد يفتح الباب لفوضى لا يمكن السيطرة عليها، وهذا ما يجعل مسألة السلاح بالنسبة لها ليست فقط قضية مقاومة، بل أيضاً قضية بقاء داخلي.

لكن المشكلة الأعمق ليست هنا فقط. المشكلة أن كل هذا يجري في ظل غياب أفق سياسي. لا حديث جدياً عن دولة، ولا عن إنهاء الصراع، فقط ترتيبات أمنية ومشاريع إنسانية مؤجلة. حتى الأموال التي يُفترض أن تُضخ لإعادة الإعمار لم تجد طريقها بعد، وكأن العالم قرر أن يبقي غزة على حافة الانهيار دون أن يسمح لها بالسقوط الكامل.

هذا الفراغ هو أخطر ما في المشهد. لأنه يفتح الباب لكل الاحتمالات: تصعيد، انهيار، أو حتى إعادة تشكيل الواقع بالقوة. وفي كل مرة، يدفع الناس هناك الثمن ذاته.

ما يحتاجه الوضع اليوم ليس فقط وساطة أو تهدئة، بل شيء أعمق: توافق فلسطيني يعيد تعريف العلاقة مع السلاح، لا بوصفه عبئاً أو شرطاً خارجياً، بل كجزء من رؤية وطنية متفق عليها. دون ذلك، ستبقى الذرائع جاهزة، وستبقى غزة مكشوفة.

الدور الإقليمي هنا ليس هامشياً. مصر وتركيا قادرتان، إن أرادتا، على فتح ثغرة في هذا الجدار المغلق، على تقديم ضمانات، أو حتى خلق مساحة ثقة مفقودة. لكن كل ذلك يبقى محدوداً إن لم يرتبط بسؤال أكبر: إلى أين يذهب الفلسطينيون؟

في النهاية، لا يمكن اختزال غزة في مسألة سلاح فقط. القضية أوسع، وأعمق، وأثقل. وما لم يُفتح الباب أمام حل سياسي حقيقي، سيبقى كل ما يجري مجرد إدارة لأزمة طويلة، لا أكثر. وغزة، كعادتها، ستبقى في قلب هذه المعادلة، تدفع الثمن وحدها، وتنتظر ما لا يأتي.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...