أوروبا وفلسطين في مائة عام
الكاتب: رأي المسار
ولدت إسرائيل على يد القابلة الأوروبية، وترعرعت وتوسعّت من داخل حاضنتها.
دروس التاريخ يحفظها الفلسطينيون ليس بفعل ما قرؤوه عنها، وإنما بما عاشوه فيها، ولأننا أبناء هذه الأيام، التي دخلت قضية فلسطين فيها حالةً مصيرية، وارتفع منسوب الدم والدمار إلى أعلى مستوىً وصله في القرنين العشرين والحادي والعشرين، فقد نهضت أسئلةٌ كثيرةٌ وكبيرة، أحد أهمها، أين أوروبا من الحاضر والمستقبل، بعد أن عرفنا وبدقة أين كانت في الماضي، حين كان أبرز عناوينها وعد بلفور في التأسيس والدعم الرئيس في التسليح، والتغطية الدائمة لكل ما تفعل إسرائيل تجاه الفلسطينيين ومركزه إلغاء حقوقهم السياسية، وجعل وكالة غوث اللاجئين وطنهم البديل.
في الحاضر اعترفت أوروبا بالدولة الفلسطينية، لم يأت ذلك بفعل صحوة الضمير الذي غطّ في غيبوبةٍ عمرها يزيد عن مائة عام، وإنما لأن الشرق الأوسط مجمّعٌ هامٌ للمصالح الأوروبية، وممر الذهاب والإياب لاقتصادها وأمنها، وهذا الشرق الأوسط، لن يستقيم حاله وتطمئن أوروبا لمصالحها فيه، إلا إذا حُلّت عقدته الدائمة وهي القضية الفلسطينية، التي برهنت وقائع قرنٍ مضى أنه من دون حلّها بما يُرضي شعبها، فأوروبا قبل جميع دول العالم، ستكون الأكثر تضرراً وعلى جميع الصعد.
أظهرت أوروبا حالياً مقدّماتٍ هامة لمواقف جديدةٍ دفع الجميع ثمن تأخرها، غير أن هذه المقدمات على أهميتها لم تصل بفاعليتها حدّ التأثير الجوهري على القضية الفلسطينية، فإن أسهمت فعلاً بجعل تصفيتها كما تسعى إسرائيل أمراً مستحيلاً إلا أنّ هذا ليس كل شيء، فالقضايا لا تحتاج إلى مواقف فقط، وإنما إلى حلول.
أوروبا في هذه الأيام، تتخذ مواقف إيجابية، وتتحدث بلغةٍ أوضح بكثير مما كانت الأمور عليه في الماضي، غير أن الفاعلية المنشودة أو اللازمة لإنجاز حل، ما تزال ضعيفةً ولم تبلغ بعد حدّ التأثير المباشر على إسرائيل ولا على السياسة الأمريكية تجاه حل القضية الفلسطينية.
ليس صحيحاً أن أوروبا ضعيفة إلى الحد الذي لا تستطيع الدفع بحلولٍ عمليةٍ للقضية المهمة بالنسبة لها، وهي القضية الجارة لقضية أوكرانيا، إن لدى أوروبا الكثير لتفعل ليس فقط اعتماد النموذج الإسباني، بل والضغط على الأمريكيين بما يتجاوز تسجيل المواقف، إلى وضع آلياتٍ لحلولٍ سياسيةٍ جذرية للقضية الفلسطينية، التي تعترف أوروبا وعن اقتناعٍ عميق بأنها قضية سياسةٍ واقتصادٍ وأمنٍ بالنسبة لها.
يُنتظر ذلك من أوروبا، وينُتظر من العرب جهداً أكبر لتطوير المواقف إلى حلول ، وهذا ما ينبغي أن يتركز الجهد عليه من قلب هذه الحرب.

