ثلاثة رهانات خاسرة: نتنياهو بين الحرب والانتخابات وأمريكا أولاً
الكاتب: أمير مخول، مركز تقدم للسياسات، لندن
تقدير موقف.
تقديم وسياق:
راهن نتنياهو قبيل الحرب على ثلاثة أمور: تعظيم دور إسرائيل ونقلها إلى مصافّ الدول الكبرى إقليمياً ودولياً بوصفها شريكاً لواشنطن؛ والقدرة على توجيه دفة السياسة الأمريكية وقرارات ترامب؛ وأن تكون الحرب الرافعة التي تحسم الانتخابات الإسرائيلية لصالحه دون منازع. وتأتي هذه الورقة في لحظة بالغة الحساسية؛ إذ أعلن ترامب في السادس من مايو 2026 احتمالية التوصل إلى اتفاق وشيك مع إيران في إطار تفاهمات، فيما صدر عن مكتب نتنياهو أن إسرائيل على اطلاع كامل بالتفاصيل. ويُمدّد إطار الاتفاق، في حال التوافق عليه، المجالَ لشهر من المحادثات لإنجاز تفاصيله. وتسعى هذه الورقة إلى تقييم مدى صواب الرهانات الثلاثة في ضوء المعطيات الراهنة.
المعطيات:
المحور الأول: الرهان على التموضع بوصفها دولة كبرى
1. التموضع الجيوسياسي الإقليمي:
أثبتت إسرائيل في بداية الحرب أنها شكّلت الحليف الأول والوحيد للولايات المتحدة، وأنها تمتلك نقاط قوة نوعية عسكرياً واستخباراتياً، مما وضع إدارة ترامب في موقع الحاجة إلى الاعتماد عليها في إسقاط النظام الإيراني بضربة أولى ;hk يُفترض أنها ستكون قاضية. غير أن ذلك لم يتحقق، ليتساءل ترامب علناً في أكثر من مناسبة عن سبب عدم استسلام الإيرانيين. وفي حين لم يحدث ذلك، أعلنت الولايات المتحدة وقف إطلاق النار وتسارعت وتيرة المفاوضات مع إيران بمعزل عن إسرائيل. وأعلنت إدارة ترامب وقف إطلاق النار في لبنان لتُمدّده لاحقاً، ووضعت خطوطاً حمراء لم تستطع حكومة نتنياهو تجاوزها، ولا سيما في منع استهداف بيروت وبنية الدولة اللبنانية. ووفقاً للتقديرات الإسرائيلية، يظل التنسيق وثيقاً بين نتنياهو وترامب، غير أن القرار يعود في نهاية المطاف إلى ترامب.
2. معركة الممرات البديلة:
راهنت إسرائيل رسمياً على توظيف الحرب في ملف مضيق هرمز وممرات الطاقة بوصفها استثماراً استراتيجياً يقوم على تكريس ممر بديل لمضيق هرمز ولقناة السويس والبحر الأحمر. وقام هذا الرهان على اعتبار حرب مضيق هرمز فرصة تاريخية لإسرائيل كي تُعيد إلى الواجهة ممرَّ التجارة والطاقة البحري البري الممتد من الهند شرقاً مروراً بدول خليجية، بما يجعل ميناءَي أسدود وحيفا محطتين لوجستيتين أساسيتين، وبما يتماشى مع مخططات الهيمنة الأمريكية في البحار وعلى سوق الطاقة وتبديل الممرات التقليدية. وقد تردد في إسرائيل مفهوم أن الحرب على إيران هي استثمار للأجيال القادمة.
غير أن استيقاظ الدول العربية، ولا سيما الخليجية ومصر، وإقليمياً تركيا، يضع علامة استفهام كبرى على هذا المشروع؛ إذ تعتزم السعودية نقل النفط عبر أنابيب ضخمة من شرق البلاد إلى البحر الأحمر، فيما تتحدث التقديرات الإسرائيلية عن تعاظم قوة الأسطول المصري لحماية البحر الأحمر، بما فيه من نفوذ إسرائيلي نشأ في ضوء العلاقة الوثيقة بين إسرائيل وإقليم أرض الصومال الانفصالي المطل على باب المندب. والمشروع الأكثر طموحاً في الوقت الراهن هو مشروع البحار الأربعة، القائم على رؤية جيوستراتيجية تربط الخليج والبحر المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين لنقل الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا دون الاعتماد الكلي على مضيق هرمز أو باب المندب، ويمر عبر سوريا وتركيا وقد يشمل العراق والأردن. وتُعدّ السعودية من أبرز القوى الإقليمية التي ستستثمر في هذا المشروع الذي يمثّل فعلياً ثقلاً اقتصادياً أكبر من ثقل إسرائيل، وقد يُلغي الجدوى الاستراتيجية للمشروع الإسرائيلي المذكور إذا ما اكتمل.
3. الصادرات العسكرية: استثناء في المشهد:
في مقابل علامات الاستفهام على المحورين السابقين، تتقدم إسرائيل بشكل جوهري في مجال الصادرات الحربية، ولا سيما منظومات الدفاع الجوي كالقبة الحديدية وصواريخ حيتس ومنظومة الليزر من إنتاج شركات الصناعات العسكرية والفضائية ورافائيل وإلبيت.
ووفقاً لتقرير نشرته الصحيفة الاقتصادية "ذا ماركر" عام 2025، منحت شعبة مراقبة صادرات الدفاع تراخيص تصدير لأنظمة الدفاع الجوي إلى عشرين دولة، مقارنةً بسبع دول عام 2024 واثنتي عشرة دولة عام 2023. وارتفعت تراخيص التسويق من تسع عشرة دولة عام 2023 إلى ست وخمسين دولة عام 2024، ثم إلى أربع وسبعين دولة عام 2025. ويعود هذا التغير في عدد التراخيص إلى حجم الطلبات المقدمة من الشركات وسياسة وزارة الأمن، وهو ما يعكس نجاعة هذه المنظومات والطلب المتزايد عليها، ولا سيما من ألمانيا والإمارات. وإذ بلغ إجمالي التراخيص 6,629 ترخيصاً، فهذا لا يعني بالضرورة نجاح جميعها، غير أنه يعكس إمكانات واسعة جداً للتصدير العسكري في السنوات المقبلة.
وتجدر الإشارة هنا إلى تحفظات قائمة؛ إذ صرّح نتنياهو بشكل قاطع في خطاب "إسبارطة" بتبني إسرائيل نهج الإنتاج والاستهلاك الذاتيين، وهو ما يبدو في تناقض مع التوسع في تراخيص التصدير. غير أنه في الحالتين يبدو أن سوق تصدير الأسلحة والمنظومات سيتسع بشكل ملحوظ في أعقاب الحرب على إيران.
ومن المتوقع أن تبلغ الصادرات الأمنية الإجمالية لإسرائيل عام 2025 نحو ثمانية عشر مليار دولار، بزيادة ثلاثة مليارات عن عام 2024، بفضل شركتي رافائيل وصناعات الفضاء الإسرائيلية. وتُشير "ذا ماركر" في الوقت ذاته إلى صعوبة تصدير الأسلحة الهجومية الإسرائيلية نتيجة حركات المقاطعة العالمية المرتبطة بالحرب على غزة وإثارة الموضوع من قِبَل عدد من الدول الأوروبية.
المحور الثاني: الرهان على توجيه القرار الأمريكي:
كان نتنياهو قبيل الحرب على إيران في ذروة تأثيره على القرار الأمريكي، مستنداً إلى تقديرات الجيش والأجهزة الأمنية التي تنبّأت بسقوط النظام في الضربة الأولى. غير أن المرحلة التالية شهدت اتساعاً في الفجوة بين الأهداف الأمريكية والإسرائيلية؛ إذ تخلّت الولايات المتحدة علناً عن هدف إسقاط النظام الذي تمسكت به إسرائيل. وتحوّلت الحرب إلى حرب طاقة ذات أبعاد عالمية مستنزِفة، وتراجعت شعبية ترامب إلى نحو 36%، فيما اتسع نطاق المعارضة للحرب داخل الولايات المتحدة وتصدّرت مقولة أن نتنياهو هو من أوقع ترامب في شركها، رغم نفي الأخير لذلك.
وأثبت قرار إدارة ترامب بوقف إطلاق النار مع إيران ثم في لبنان أن القرارات المتعلقة بإنهاء الحرب أمريكية بامتياز وليست مشتركة أمريكية إسرائيلية. ووضع وقف إطلاق النار في لبنان وتمديده نتنياهو في مأزق العاجز عن التأثير في نظر جمهور أنصاره. وفيما انتقلت الولايات المتحدة إلى البحث عن مخارج من الحرب، بقي موقف حكومة نتنياهو يدفع نحو استئنافها للحيلولة دون التوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني مهما كانت شروطه.
وقد سادت في الأيام الأخيرة تقديرات إسرائيلية بأن تجدد الحرب المكثفة على إيران بات وشيكاً، وأقدم الإعلام الإسرائيلي على إعداد الرأي العام لمثل هذا التحول، إضافة إلى تصريحات صادرة عن المستويين السياسي والأمني أضافت بُعداً يتعلق بمستوى التنسيق الوثيق بين نتنياهو وترامب. غير أن تصريحات ترامب في السادس من مايو قلبت الأمور رأساً على عقب بتأكيده احتمالية اتفاق وشيك مع إيران، مما أفضى إلى ارتباك إسرائيلي واسع، على الرغم من التصريحات القائلة بأن الخطوة الأمريكية معروفة لنتنياهو مسبقاً.
وفي مواجهة هذا الارتباك الكبير الذي قد يعصف بمصيره السياسي، راهن نتنياهو على تحدي الضوء الأحمر الأمريكي في لبنان بالسعي إلى استهداف قائد قوة رضوان بغارة نوعية في بيروت، معتبراً الأمر لا يمسّ الدولة اللبنانية. ويبدو أن المسعى يتجاوز اغتيال مسؤول عسكري ميداني إلى محاولة التأثير على مجمل المسار الأمريكي الإيراني. غير أن معظم التقديرات، بما فيها الإسرائيلية، تُفيد بأن هذا الاستهداف لن يكون بمقدوره تعويق المسار الأمريكي الإيراني الساعي إلى اتفاق في إطار تفاهمات. كما يبدو أن استهداف نجل خليل الحية، القيادي في حماس، لن يُشعل الأوضاع في غزة من جديد وبشكل مكثف في ظل المساعي المصرية والسعودية والقطرية والتركية لإيجاد صيغة تكسر الجمود في المفاوضات والولوج في المراحل المتقدمة من إنهاء الحرب على غزة.
المحور الثالث: الرهان على الحرب بوصفها رافعة انتخابية:
خلافاً لما أعقب حرب الاثني عشر يوماً على إيران في يوليو 2025 التي رفعت أسهم نتنياهو الانتخابية وأوصلته ذروة شعبيته منذ أكتوبر 2023، فإن الحرب الممتدة التي تحوّلت إلى استنزاف وأشعلت الجبهة اللبنانية قد أفقدته الكثير من رصيده الشعبي، ولا سيما بين حاضنته الاجتماعية- السياسية في أعقاب وقف إطلاق النار على الجبهتين بقرار أمريكي صرف.
كما أن الرهان على تطويع الدولة اللبنانية باتجاه موافقة الرئيس جوزيف عون على لقاء نتنياهو في واشنطن ليظهر الأخير بمظهر صانع السلام الإبراهيمي، ولكي يتحدى في الوقت ذاته قرار محكمة الجنايات الدولية باعتقاله، تراجع كلياً أمام الموقف اللبناني السيادي الثابت الذي نأى بنفسه عن عقد مثل هذا اللقاء بكل تداعياته.
يواجه نتنياهو اليوم مأزقاً سياسياً قد يُطيح به؛ إذ لا يستطيع إقناع الرأي العام الإسرائيلي، ولا حتى اليميني منه، بأن الحرب حققت أهدافها أو بأن الوضع الأمني لإسرائيل لم يتراجع قياساً بما كان عليه قبل الجولة الأخيرة. وفي المقابل، تعود الحرب على غزة والمطالبة بلجنة تحقيق رسمية في إخفاق أكتوبر 2023 إلى صدارة الجدل الانتخابي، وهو ما كان نتنياهو يعوّل على الحرب على إيران ولبنان لسحبه من جدول الأعمال الانتخابي.
- التحليل:
الرهان الأول: تآكل التموضع الجيوسياسي:
يصعب التقدير بأن إسرائيل قد حسّنت وضعيتها الجيوسياسية إقليمياً ودولياً. فمشروع الممرات البديلة الذي راهنت عليه يواجه منافسة إقليمية قوية؛ إذ يمثّل مشروع البحار الأربعة ثقلاً اقتصادياً وجيوسياسياً أكبر بكثير من الثقل الإسرائيلي، وقد يُلغي الجدوى الاستراتيجية للمشروع الإسرائيلي إذا ما اكتمل. أما الاستثناء الحقيقي في هذا المشهد فيتمثل في نمو الصادرات العسكرية الدفاعية التي تُعدّ بالأرقام المجردة استثماراً مجدياً، غير أنه لا يُعوّض التراجع في الوضعية الجيوسياسية الأشمل. والتناقض البنيوي في هذا المحور لافت؛ إذ يُعلن نتنياهو في خطاب "إسبارطة" الاكتفاءَ الذاتي، فيما تتوسع الشركات الإسرائيلية في استصدار تراخيص التصدير العسكري، وهو ما يكشف عن هوّة بين الخطاب السياسي والمصلحة الاقتصادية الفعلية.
الرهان الثاني: تراجع النفوذ على القرار الأمريكي:
تسود قناعة متصاعدة في الرأي العام الإسرائيلي والإعلام بأن منسوب الأثر الإسرائيلي على قرارات ترامب في تراجع متسارع، وبأن الولايات المتحدة تعود إلى نهج "أمريكا أولاً" وتبني سياساتها تجاه إيران وفق أولوياتها لا وفق الأولويات الإسرائيلية. وفعلياً باتت الولايات المتحدة هي من يُدير دفة القرار الإسرائيلي لا العكس. ويُجسّد سعي نتنياهو إلى تحدي الخطوط الحمراء الأمريكية في لبنان يأساً من التأثير عبر القنوات المعتادة، وهو ما يُعمّق مأزقه أمام جمهور راهن على صورة القائد المتحكم بالقرار الأمريكي.
الرهان الثالث: انقلاب الحسابات الانتخابية:
انقلبت الحسابات الانتخابية على نتنياهو بصورة لافتة؛ فالحرب التي كان يُعوّل عليها لدفن ملف إخفاق أكتوبر 2023 أعادت إحياءه، والجبهة اللبنانية التي كان يُفترض أن تُعزز صورته القيادية باتت عبئاً انتخابياً. ولا يحظى نتنياهو حتى الآن بأي دعم من إدارة ترامب لصالح بقائه في الحكم، ويبدو أن تيار "ماغا" ونهج "أمريكا أولاً" يسيران في اتجاه مغاير لمصلحته.
الخلاصة والاستنتاجات:
تكشف قراءة المعطيات عن جملة من الاستنتاجات الجوهرية:
**ثمة تراجع ملموس في الرهانات الكبرى المتعلقة بالتموضع الجيوسياسي والاستثمار في الشراكة الحربية مع الولايات المتحدة، وفي الاستحواذ على حصة مركزية من السعي الدولي لإيجاد ممرات بديلة عن مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس. وتبدو الغلبة حتى الآن للمشاريع العربية والإقليمية الرامية إلى مد أوروبا بالطاقة وتطوير ممرات التجارة مع جنوب آسيا.
**أخفقت التقديرات الإسرائيلية في احتمالية تطويع الدولة اللبنانية للشروط الإسرائيلية الأمنية والسياسية، ولا تبدو إمكانية حقيقية للقاء يجمع نتنياهو بالرئيس عون في واشنطن نظراً للموقف اللبناني السيادي الثابت.
**منذ إعلان وقف إطلاق النار مع إيران ثم في لبنان، يتراجع منسوب الأثر الإسرائيلي على ترامب وإدارته في تحديد الأولويات واتخاذ القرار، وهو ما لا يملك نتنياهو قدرة الاعتراض عليه. وفعلياً باتت الولايات المتحدة هي من يُدير دفة القرار الإسرائيلي لا العكس.
**بإمكان نتنياهو توظيف الاهتمام الدولي بالمنظومات الدفاعية الإسرائيلية لصالحه، وهو ما يجد تعبيره في مضاعفة عدد الشركات المُرخَّصة للتصدير ولا سيما من ألمانيا والإمارات. في المقابل تواجه إسرائيل إحجاماً دولياً واسعاً عن التزود بمنظوماتها الهجومية نتيجة حركات المقاطعة المرتبطة بالحرب على غزة.
**انتخابياً يعود ملف غزة وفلسطين إلى الصدارة مصحوباً بالمطالبة بلجنة تحقيق رسمية في إخفاق أكتوبر 2023، وهو ما سعى نتنياهو إلى استبعاده عن جدول أعمال الانتخابات. ولا يحظى حتى الآن بأي دعم من إدارة ترامب لصالح بقائه في الحكم، ويبدو أن الرهان الأمريكي سيكون في غير صالحه في ضوء نهج "أمريكا أولاً".
المصادر:
صحيفة هآرتس، موقع واللا، صحيفة ذا ماركر، معهد دراسات الأمن القومي INSS، صحيفة يسرائيل هيوم، مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية، تصريحات المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين.

