الديمقراطية الفلسطينية تحت الضغط: الانتخابات المحلية الفلسطينية وإرادة الاستمرار
الكاتب: عدي أبو كرش
رغم واقعٍ مثقل بأكثر من 1100 حاجز وعائق عسكري يُفتّت الجغرافيا الفلسطينية، وأزمة اقتصادية ممتدة تتجلى في سنوات من صرف الرواتب الجزئية وارتفاع معدلات البطالة، توجّه الفلسطينيون مجددًا إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات المحلية الأخيرة.
ولم تكن هذه المشاركة مجرد ممارسة اعتيادية، بل حملت طابعًا سياسيًا عميقًا؛ إذ مثّلت تأكيدًا جماعيًا على الرغبة في بناء الدولة، حتى في ظل تقلّص المساحات المدنية بفعل تهديدات الاحتلال من جهة، وأزمة المشاركة الداخلية من جهة أخرى، وفي وقت تتزايد فيه هشاشة الحياة اليومية ويتراجع فيه الأفق السياسي. ومع ذلك، بلغت نسبة المشاركة نحو 56%، في مؤشر واضح على أن الدافع نحو المشاركة الاجتماعية والسياسية لا يزال حيًا رغم كل الضغوط.
وفي المجتمعات التي تعيش تحت وطأة أزمات سياسية ممتدة، غالبًا ما تتحول الإدارة المحلية إلى المساحة الأساسية لإعادة بناء الثقة العامة، وإيجاد قنوات للتعبير الجماعي. وفي الحالة الفلسطينية، تحمل الانتخابات المحلية هذا المعنى تحديدًا؛ فهي ليست مجرد عملية تقنية أو إدارية، بل تُعد من المساحات المؤسسية القليلة التي لا يزال المواطن قادرًا من خلالها على ممارسة دوره السياسي المباشر وتأكيد حضوره في المجال العام.
غير أن هذا الالتزام الاجتماعي والسياسي للفلسطينيين لا ينبغي النظر إليه بصورة مثالية. فالمشاركة تأتي في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية؛ إذ فقد مئات آلاف الفلسطينيين مصادر رزقهم خلال السنوات الأخيرة، فيما تستمر القيود المفروضة على الحركة في تعطيل النشاط الاقتصادي وتمزيق النسيج الاجتماعي، حيث بات الناس منفصلين عن بعضهم البعض ماديًا وجغرافيًا. وفي مثل هذا الواقع، يصبح التصويت فعلًا من أفعال الصمود، ومحاولة للتأكيد على أن الحياة السياسية لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.
لكن هذا الصمود يضع عبئًا ثقيلًا على عاتق المجالس المنتخبة. فالمجالس المحلية مطالبة ليس فقط بإدارة الخدمات الأساسية، وإنما أيضًا بالاستجابة لتطلعات مجتمع تتزايد احتياجاته بصورة ملحّة. وفي ظل التحديات المتعلقة بالاستجابة والتمثيل والمساءلة، فإن الفجوة بين ما يأمله المواطنون وما يمكن تحقيقه فعليًا قد تتحول إلى مصدر إضافي للإحباط إذا لم تُدار بحكمة ومسؤولية.
وفي أواخر عام 2025، جرى تعديل قانون الانتخابات المحلية. وأبرز التعديلات كان رفع نسبة تمثيل النساء بشكل يتناسب مع حجم كل هيئة محلية، بعد أن كانت الكوتا النسوية محددة بنسبة 20%. ورغم أن هذه الخطوة تمثل تقدمًا مهمًا، فإنها لا تزال دون المستوى الذي أقرّه كل من المجلس المركزي الفلسطيني والمجلس الوطني الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، واللذين نصّا على نسبة لا تقل عن 30%، في حين يتراوح التمثيل في القانون المعدل بين 22% و30% تبعًا لحجم الهيئة المحلية.
وفي الوقت ذاته، تبقى هناك قضية أكثر جوهرية. فالانتخابات المحلية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن تجديد ديمقراطي شامل طال انتظاره. إذ لم تشهد فلسطين انتخابات رئاسية أو تشريعية منذ ما يقارب عقدين، ما يعني أن شريحة واسعة من الفلسطينيين، خصوصًا من هم دون سن الخامسة والثلاثين، لم تتح لهم يومًا فرصة المشاركة في اختيار القيادة الوطنية.
ومنذ عام 2007، تركزت السلطة التشريعية إلى حد كبير في يد السلطة التنفيذية، الأمر الذي أضعف مبدأ الفصل بين السلطات وقلّص آليات المساءلة والرقابة. ومع مرور الوقت، يهدد هذا التركز بتطبيع نموذج حكم أقل استجابة وأضعف تمثيلًا، بما يقوض الأسس التي تستند إليها الشرعية الديمقراطية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم المشاركة في الانتخابات المحلية باعتبارها أكثر من مجرد واجب مدني؛ فهي تعكس إيمانًا مستمرًا بأهمية الانخراط الديمقراطي حتى تحت القيود. كما تكشف أنه، رغم الإحباط والضغوط، ما تزال هناك رغبة جماعية في الحكم الرشيد والمساءلة والتمثيل السياسي.
غير أن هذا الإدراك يفرض مسؤولية حقيقية. فهو يتطلب استجابة تتجاوز المستوى المحلي نحو استعادة الإطار الديمقراطي الأوسع، وإعادة وصل المؤسسات بالمجتمع الذي يفترض أن تمثله وتخدمه. إن إحياء الانتخابات الرئاسية والتشريعية ليس مجرد استحقاق إجرائي، بل ضرورة أساسية لتجديد الثقة، وإعادة التوازن بين السلطات، وضمان حق جميع الأجيال في المشاركة بصناعة مستقبلها السياسي.
ويبقى السؤال المفتوح: هل ستجد هذه الإرادة المستمرة للمشاركة أخيرًا أفقًا سياسيًا قادرًا على تحويل هذا الانخراط الشعبي إلى تجديد ديمقراطي حقيقي؟

