الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:15 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:30 PM
العشاء 8:55 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

خمسة شواكل للرأس

الكاتب: رامي مهداوي

في غزة، لم تعد الحرب تأتي من السماء فقط.
ثمة حرب أخرى تزحف ليلًا من تحت الركام — تخرج من شقوق الصرف الصحي المعطوب، ومن أكوام النفايات التي لا يُرفع منها شيء منذ أشهر، ومن بين الخيام الممزقة التي تحولت إلى مستنقعات دافئة ورطبة. حرب بلا صفارات إنذار، وبلا كاميرات حية، وبلا أسماء في البيانات الدولية. غزة التي نجت من القصف... نامت تحت أسنان الجرذان.
مع انهيار منظومة الصرف الصحي وتراكم ما يزيد على مئة وعشرين ألف طن من النفايات في شوارع القطاع — بحسب تقديرات أممية — وحظر إدخال المبيدات ومواد مكافحة الآفات ضمن القيود المفروضة منذ اندلاع الحرب، شهدت مخيمات النزوح انفجارًا في أعداد الجرذان والفئران والثعابين. الحيوانات التي كانت تهرب من البشر باتت تتشارك معهم الخيمة ذاتها، والطعام ذاته، وأحيانًا وجوه أطفالهم.
في إحدى خيام غرب القطاع، كانت (أ) تجمع ثوبها المطرز وأغطية سريرها داخل صندوق خشبي — هذا كل ما تبقى من جهازها الذي أعدّت له قبل الحرب. في ليلة رطبة خانقة، استيقظت على صوت قرض متواصل. أضاءت مصباح هاتفها لتجد عشرات الجرذان تنهش ما جمعته. الثوب الأبيض مثقوب. الأغطية ممزقة. الملابس الجديدة خيوط فوق الرمال. جلست حتى الفجر تلملم بقايا القماش، في صمت يشبه صمت من لا يعرف من أي شيء يبدأ البكاء.
في خيمة أخرى، لم يكن الأمر يتعلق بملابس. (س) طفل في الثالثة، كان نائمًا بجانب والدته حين استيقظ صارخًا. الوزغ البري — "العرس" — حفر أسنانه في وجهه ويده. حمله أبوه مذعورًا إلى نقطة طبية ميدانية، والطفل يرتجف لساعات بعد ذلك، ليس فقط من الألم بل مما لا يستطيع أن يسميه.
"هذه حالات نراها يوميًا الآن"، يقول طبيب ميداني يعمل في مستشفى ميداني وسط القطاع، طالبًا عدم الإفصاح عن اسمه. "عضّات قوارض، التهابات جلدية متسارعة، حالات مشتبه بها من داء اللولبية النحيفة. الأطفال ومرضى السكري هم الأكثر خطرًا — جرح صغير في بيئة بلا تعقيم يتحول إلى كارثة."
(م)، رجل ستيني نازح من شمال القطاع، خبّأ ما تبقى من مدخراته تحت وسادته. في الصباح، وجد الأوراق النقدية ممزقة. كان يحتفظ بها لدواء زوجته. جلس يجمع الفتات من الأرض، ثم قال بمرارة لا تحتاج شرحًا: "حتى الرزق صار يؤكل قبل أن نأكله."
لكن أغرب ما أنتجته هذه الأزمة لم يكن داخل الخيام فقط، بل في ما بينها: لافتات غير رسمية وإعلانات شفهية تقول — "كل رأس بخمسة شواكل". مع غياب البلديات وانعدام الإمكانيات وحظر المبيدات، أطلق أصحاب محال ومقاهٍ وشبان من المخيمات مكافآت مالية مقابل قتل القوارض: خمسة شواكل للجرذ، شيكل للفأر، عشرة للثعبان. هكذا تحولت مطاردة الآفات إلى اقتصاد بقاء.
(ب)، فتى في السابعة عشرة، عاد في إحدى الليالي يرفع ثلاثة جرذان نافقة بفخرٍ لا يعرف كيف يُسمّيه: "هذه الليلة جبت خبزًا لإخوتي من ثمن الجرذان." لم يكن يضحك. لم يكن يبكي. كان فقط يقول ما هو.
في مناطق واسعة من القطاع، لم يعد الناس ينامون بشكل حقيقي. أمهات يسهرن حتى الفجر خوفًا على وجوه أطفالهن. بعضهم يربط أطراف الخيام بالحبال والبلاستيك. وآخرون يحرقون قطع بلاستيك طوال الليل فقط لإبعاد القوارض بالدخان — وهم يعرفون أن الدخان أيضًا يدمر الرئتين.
ما يجري ليس أزمة "إزعاج صحي". هو نتيجة مباشرة لانهيار ممنهج: صرف صحي معطل، نفايات متراكمة، مبيدات محظورة، وخيام لم تُصمم أصلًا لمقاومة القرض أو الرطوبة. حين تُمنع الأدوات الأساسية للحياة، لا تموت الناس فقط بالقنابل — تموت بما تتركه القنابل خلفها.
وفي نهاية ليلة كغيرها، داخل خيمة بالكاد تقف فوق الرمال، كانت أمّ تحتضن طفلها وتتمتم بخوف يختصر غزة كلها:
"صرنا نخاف النوم أكثر من القصف… القصف يقتل مرة، لكن الجرذان تأكلنا كل ليلة."

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...