حرب الخوارزميات: حين تصبح الآلة سلاحًا والوعي ساحة المعركة
برزَ مصطلح «حرب الخوارزميات» عَرَضًا أثناء حضوري إحدى المحاضرات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، بوصفه توصيفًا تقنيًا لتحولات متسارعة في عالم الحوسبة واتخاذ القرار الآلي. غير أنّ وقع المصطلح لم يكن عابرًا. فقد استوقفني بما يحمله من دلالات تتجاوز البعد التقني الخالص، وتلامس جوهر الصراع المعاصر على الوعي، والمعرفة، وتوجيه السلوك الجمعي. من هنا، لم يكن ممكنًا التعامل معه كمفهوم أكاديمي محايد، بل كمدخل لفهم نمط جديد من الحروب الصامتة التي تُدار دون إعلان، وبلا جبهات واضحة، لكنها تترك آثارًا عميقة على المجتمعات، وعلى القضايا العادلة على وجه الخصوص.
هذا الاستدعاء دفعني إلى البحث المعمّق وباستخدام الذكاء الاصطناعي في جذور المصطلح وسياقاته السياسية والإعلامية والأمنية، ومحاولة تفكيك مكوناته بعيدًا عن التهويل أو التبسيط. والغاية من هذه الكتابة ليست التنظير المجرد، بل تحويل ما راكمته الخوارزميات من قوة غير مرئية إلى معرفة قابلة للفهم، تساعدنا-كفلسطينيين وكمهتمين بالشأن العام-على إدراك طبيعة الساحة الجديدة التي يُعاد فيها تشكيل الرأي العام، وتُدار فيها المعارك على السردية، والشرعية، والمعنى.
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض فقط بالدبابات والطائرات، بل بخوارزميات صامتة تقرّر ما نراه، وما لا نراه، وما نغضب له، وما نتجاهله. في هذا السياق، تبرز حرب الخوارزميات بوصفها أحد أخطر تحولات الصراع في القرن الحادي والعشرين، لأنها تنقل المواجهة من حدود الجغرافيا إلى عمق الوعي الإنساني، ومن ميدان القتال إلى شاشات الهواتف. جوهر هذه الحرب هو التحكم بالقرار الآلي: قرار الترتيب، والانتشار، والحذف، والتضخيم، والتجاهل.
في بُعدها الأول، تُخاض حرب الخوارزميات على منصّات التواصل باعتبارها حربًا على السردية. ما يصل إلى المستخدم ليس انعكاسًا محايدًا للواقع، بل نسخة مُفلترة منه، خضعت لمعادلات التفاعل، وسياسات “السلامة”، ومصالح الشركات، وضغوط السياقات السياسية. الخطر هنا أن ما لا يُعرض يُمحى رمزيًا، وما يُخفَّض انتشاره يُدفن دون قرار قضائي، ودون مسار واضح للاعتراض. إنها رقابة ناعمة، غير معلنة، لكنها شديدة الفاعلية.
أما البعد الثاني، فهو الأشد خطورة: الخوارزميات كجزء من القرار العسكري والأمني. و هنا لا نتحدث عن توصية بمحتوى، بل عن تصنيف، وتنبؤ، وتحديد أولويات، وربما اقتراح استهداف. تُحلَّل الصور والبيانات والأنماط، ويُنتَج “قرار محتمل” في ثوانٍ. المشكلة ليست أخلاقية فقط، بل معرفية أيضًا: الخوارزمية لا تفهم السياق الإنساني، بل تعيد إنتاج البيانات التي دُرّبت عليها. وإذا كانت هذه البيانات منحازة أو ناقصة، فإن الخطأ يصبح ممنهجًا، قابلًا للتكرار، ومحصنًا بلغة “الدقة التقنية”.
الخطر الأكبر في حرب الخوارزميات أنها لا تحتاج إلى إقناعك. يكفي أن تُنهكك. الهدف ليس أن تصدّق رواية بعينها، بل أن تفقد ثقتك بكل الروايات. عند هذه النقطة، ينهار الفرق بين الحقيقة والتضليل، وبين الخطأ غير المقصود والتزييف المتعمد. يدخل المجتمع في حالة تشويش معرفي، وهي البيئة المثالية لأي قوة تسعى للهيمنة، لأنها تُعطّل الفعل الواعي وتحوّل الناس إلى متلقين مرتبكين.
في الحالة الفلسطينية، تتضاعف خطورة حرب الخوارزميات. فهناك اختلال بنيوي في القوة الرقمية، تتحكم بموجبه شركات عالمية غير خاضعة للمساءلة المحلية بمساحات التعبير والرواية. وتُواجَه السردية الفلسطينية لا بالتكذيب فقط، بل بالتقييد المنهجي، وربط المحتوى السياسي بتوصيفات جاهزة مثل “العنف” و”التحريض” وفق معايير فضفاضة. هنا لا تكون الخوارزمية محايدة، بل جزءًا من بيئة سياسية غير متكافئة، تُعاد فيها صياغة العدالة بلغة تقنية باردة.
ومع ذلك، لا يمكن إعفاء الذات من المسؤولية. فإعادة نشر محتوى غير موثّق، أو فيديوهات مولَّدة، أو أخبار تخدم “القضية” ظاهريًا، قد يحقق انتشارًا سريعًا، لكنه يُراكم خسارة استراتيجية أخطر: خسارة المصداقية. في حرب الخوارزميات، المصداقية ليست قيمة أخلاقية فقط، بل خط الدفاع الأول عن الحقيقة.
من هنا، فإن مواجهة حرب الخوارزميات لا تكون بالشعارات، ولا بنداءات عامة إلى “الوعي”، بل ببناء مناعة معرفية منظمة. وهذه المناعة لا تُبنى في الفضاء الافتراضي وحده، بل في المدرسة، والجامعة، والإعلام، ومؤسسات التنشئة كافة. وهنا تتقاطع حرب الخوارزميات مباشرة مع مفهوم التعليم والتعلّم.
التعليم لم يعد نقل معرفة، بل بناء قدرة على الفهم، والتحليل، والتمييز، واتخاذ القرار في بيئة معلوماتية معقّدة. والتعلّم لم يعد عملية فردية معزولة، بل ممارسة اجتماعية تحمي الوعي الجمعي من الانزلاق إلى الفوضى المعرفية.
إن إدماج فهم الخوارزميات، وآليات التلاعب الرقمي، والتضليل المنسّق، ضمن التربية الإعلامية والتفكير النقدي، لم يعد خيارًا إضافيًا، بل ضرورة وطنية لحماية المجتمع من أن يُدار وعيه عن بُعد.
في النهاية، حرب الخوارزميات ليست مستقبلًا قادمًا، بل واقعًا قائمًا. والسؤال لم يعد: هل نحن داخل هذه الحرب؟ بل: هل نمتلك، عبر التعليم والتعلّم، الأدوات المعرفية التي تمكّننا من تقليل خسائرها؟
فمن لا يتعلّم كيف تعمل الخوارزمية، سيجد نفسه يقاتل في ساحة لا يراها، وبأسلحة لا يتحكم بها، وضمن لعبة كُتبت قواعدها مسبقًا ،،، ضده.