ليلة الاحتفاء برحيل عامٍ كئيب

2026-01-01 11:07:43

امتلأت السماوات بالمفرقعات والألعاب النارية، وأحال الذكاء الاصطناعي والبشري ليل المدن إلى نهار، هذا ما حدث عند الثانية عشرة منتصف الليل.

في دقائق معدودات اختلست من زمنٍ مليءٍ بالموت والدمار والدم والدموع، دقائق معدوداتٍ فصلت بين عامٍ حمل الرقم 2025 والعام الذي تلاه بفارق رقمٍ واحد.

كل عام وأنتم بخير، جملةٌ توارثتها الأجيال وحافظت عليها كي تقال في المناسبات الدينية، وعند الفلسطينيين تمّت إضافة مصطلحٍ خاصٍ بهم وحدهم من دون خلق الله، عيدنا يوم عودتنا، وفي زمن الثورة والفصائل يُقال عيدنا يوم انتصارنا، وفي زمن الأحزاب القومية والتقدمية والانقلابات العسكرية، يُقال عيدنا يوم تحرير ما احتل من أرضنا قديمه وجديده.

ووفق هذه الأدبيات المستخدمة في مواسم الأعياد، فإن الأمنيات جميعاً لم تتحقق، وكأن أبواب السماء أُغلقت بإحكامٍ دونها.

الذين سهروا انتظاراً للحظة الانتقال من العام الذي انقضى، تنقلوا عبر الريموت كنترول بين العواصم التي غرقت تحت طوفانٍ من الأضواء، أحال الليل إلى نهار، وملأ السماوات بالألعاب النارية المبتكرة والمتجددة عن كل عام، وكأنها تقول لقد انصرف عنّا عامٌ مثقلٌ بالموت والنكبات والدمار والإرهاب بكافة أشكاله، عامٌ مات فيه الأطفال بالجملة وتضاعفت أعداد الأيتام والأرامل مئات المرّات.

كان عاماً كئيباً غير مأسوفٍ على وداعه، حيث تحوّل البشر فيه إلى ما قضى ومن ينتظر، أمّا حكام العالم أصحاب قرار الحرب الدائمة، والسلام المفتقد فما بدّلوا تبديلاً.

الألعاب النارية التي ملأت سماوات العالم وداعاً للعام الكئيب الذي ولّى، بدت كما لو أنها غسيلٌ لبؤسٍ وشقاءٍ غرق فيهما العالم كله، على نحو يشبه غسيل أموالٍ وسخة تمّ جنيها عبر صفقات السلاح وتدمير الحياة.

بعد أن تنطفئ أضواء الاحتفال ويأتي اليوم التالي، يكون فد تمّ إعداد الطائرات بحمولاتٍ جديدةٍ للقصف، وإعداد المسدسات والبنادق ذات المناظير المقربة للاغتيال، لقنص آدميين لإرواء مخازن الذخيرة المتعطشة لإصابة الأهداف القريبة والبعيدة.

هذه هي حقيقة الأعوام التي يحتفل دائماً بانقضائها.

حين كانت المليارات تسفح في تشييع العام الذي انقضى وتشيّد مصانع جديدة لإنتاج مفرقعات العام الذي سيأتي كانت مصانع طائرات الموت تضاعف ورديات العاملين فيها لتسليم البضاعة في الوقت المتفق عليه، وإلا كان شرط التأخير ثمنه نجاة آلافٍ كانوا مرشحين للموت حال تسلّم الطائرات الجديدة بقنابلها المبتكرة، إذ لم يكن كافياً ما فعلته طائرات الجيل الذي تقادم، وها هو "العلم" يغذي الجيل الجديد بوسائل أقوى وأفعل، فنحن في زمن تعاقب أجيال الطائرات وقذائفها الذكية والغبية، على اللحم الآدمي الحي الذي لا يملك حيالها حتى إمكانية اتقاءها والهروب منها.

العالم كله يحتفل بالعام الجديد وهذه عادةٌ دأبت عليها البشرية في كل زمانٍ كانت الحرب فيه تحوّل الذين ماتوا إلى أرقامٍ تًذكر أو لا تُذكر في نشرات الأخبار، وتحوّل الذين لم يموتوا إلى أناسٍ يواصلون الحياة بمحض الصدفة.

على الثانية عشرة منتصف الليل، شاهدنا على الشاشات أكبر عملية نفاقٍ كوني مدتها دقائق معدودات امتلأت فيها السماوات بالألعاب النارية، وفي حالةٍ كهذه يشكر أهل غزة انقطاع الكهرباء الذي أراحهم من رؤية بهجة وداع العام الذي انقضى واستقبال العام الذي أتى، إنهم ملايين من البشر، ما أن يستريحوا من قصف الطائرات التي تنتظر انقشاع الغيوم كي تواصل عملها، حتى تمطرهم المنخفضات بمطرٍ غزيرٍ تجرف سيوله أجساد آدميين من مختلف الأعمار، وبرياح عاتية تمزق قماش الخيام، ليعيش ساكنوها في عريٍ تامٍ تحت التناوب المنتظم في إنتاج وسائل الموت، أي بين المنخفضات الجوية التي لا ترحم وحمم القتل الجماعي الهابطة  من السماء.

مثل لمح البصر أُضيئت السماء بأنوارٍ أحالت ليل المدن إلى نهار، ولكنها انطفأت ليواصل المحتفلون حياتهم العادية دون أن يفارقهم قلق بأن ما يحدث مع غزة مثلاً لن يحدث مثله عندهم في قادم الأيام والسنوات.

لا مكاناً آمناً في العام السادس والعشرين بعد الألفين من عمر البشرية، فأصابع صنّاع القرار تلامس صواعق التفجير.

أليست البشرية تعيش حرباً بين دولتين نوويتين في قلب العالم؟ بتزامنٍ مع حربٍ بين دولةٍ نووية يفوق ما لديها من سلاحٍ وعتاد ما تحتاج في حربٍ مع أناس يعيشون في العراء، ولا حيلة لهم حتى على اتقاء الريح والمطر.

كم هو قاسٍ هذا العالم وكم هو ظالمٌ بحق من يتوقون لحياةٍ بسيطةٍ ولا يحصلون على بعضٍ منها.

إنه عامٌ مرعب، نضطر لتوديعه بالمفرقعات المضيئة، ولكنه في الوقت ذاته يعد الطائرات لرحلات موتٍ ما أن تصفو السماء.

بحكم العادة المتوارثة نقول لمن يراسلنا أو يهاتفنا بمناسبة العام الجديد، كل عامٍ وأنتم بخير ونستعير من التاريخ حكمةً تقول، إن الأيام دول، فما كان عليك سيكون لك في الأيام التالية، وهذه حكمةٌ تداولتها البشرية منذ الأزل.