أرض الصومال.... استثمارٌ إسرائيليٌ مكلف
منذ تأسيسها وحتى في مراحل الإعداد لولادتها، كانت تحرص على التواجد في الأزمات، وتبذل جهوداً وتُنفق مالاً للاستثمار فيها، وقلّما وجدت أزمةٌ في بلدٍ ما أو بين بلدين، إلا وكان لإسرائيل حضوراً فيها من المجال المحبب لها، وهو الاستخبارات وتصدير الخبرات وتقديم الدعم الذي تحتاجه الدول "الكسولة" في مجال التنمية واستخدام التكنولوجيا، ولا يفوت إسرائيل استثمار علاقاتها المميزة مع الولايات المتحدة، لتعمل وسيطاً للدول المتطلعة إلى علاقاتٍ مع الدولة العظمى، حيث من تزكيها إسرائيل تحظى بمزايا أمريكية، ما كان لها أن تحظى بها من دون تدخلها.
آخر ما حرر في هذا المجال الاعتراف الإسرائيلي بالكيان الانفصالي المسمى بأرض الصومال، كدولة مستقلة بما يعنيه ذلك من دخولٍ مباشرٍ على خط أزمات القرن الإفريقي، علماً بأن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي أعلنت اعترافاً رسمياً بأرض الصومال، مع أن دولاً عديدة وعلى رأسها الولايات المتحدة، تعاملت مع الكيان الانفصالي كأمرٍ واقع، دون اعترافٍ رسمي ولكن دون إغلاق الباب نهائياً أمام احتمال الاعتراف به.
ما علينا.. إذ لا ينقصنا تتبع إسرائيل وتمددها إلى أي مكانٍ تصل إليه، "فالي فينا يكفينا"، ولكن ما ينبغي الإشارة إليه هو أن التمدد في مناطق الأزمات ليس كله مزايا، بل له أثمانٌ لابد وأن تدفع، وحتى هذا لا يعنينا كفلسطينيين بقدر ما يعني الدول التي ترى في الدخول الإسرائيلي على الأزمات المتصلة بها مصدر قلقٍ وتخوّف.
وإذا ما نظرنا إلى رد الفعل الأولي على الاعتراف بأرض الصومال كدولةٍ مستقلة، فإننا نرى أنه في أفضل الأحوال حصل على تغاضٍ متحفظٍ ومتكتمٍ من الدول الغربية وأمريكا، مقابل اعتراضٍ واضحٍ ومباشرٍ من الدول الوازنة ذات الصلة بالقرن الإفريقي وبلدانه وأزماته، ومنها مصر ومعها جميع الدول العربية والإفريقية وتركيا كذلك.
استثمار إسرائيل في الأزمات البعيدة ينطوي في جانبٍ منه على هروبٍ من الأزمات الأكثر قرباً وتأثيراً عليها، وأهمها وأشدها إلحاحاً القضية الفلسطينية، التي لم تعترف إسرائيل بعد بمركزية تأثيرها، ليس فقط على الجبهات الساخنة الثمانية التي دخلت حرب إسرائيل عليها عامها الثالث، دون حسم أي واحدةٍ منها وإنما على مجمل الوضع في الشرق الأوسط، الذي يزداد عداءً لإسرائيل ومذابحها وأطماعها فيه، إضافةً إلى ما أحدثته حروبها من ردود أفعالٍ دوليةٍ تسجّل في غير مصلحة الدولة العبرية وصورتها القديمة.
وفي منطقتنا حيث غزة التي باتت توصف بمعضلة القرن، والضفة حيث استحالة تهجير أهلها مهما فعلت إسرائيل، وفي سوريا حيث السويداء عنوان توسعٍ جديد يثير من الأزمات أكثر مما يوفر من المزايا -وهذا مجرد مثال-، وكذلك تعزيزها الضم غير الشرعي للجولان بجعل جنوب سوريا كله منطقةً عازلةً وذلك دون إغفال الصداع اللبناني الذي سيظل قائماً ما دامت إسرائيل تحتل بعض أرضه قديماً وحديثاً.
إذاً إسرائيل تستثمر في الأزمات دون ان تحسم واحدةً منها.
إن الأزمة الأخطر من بين كل الأزمات هي القضية الفلسطينية، التي ما تزال إسرائيل عاجزةً عن إيجاد حلٍ لها يتناسب مع أجنداتها، وكذلك لامتداداتها في الإقليم والعالم، وهذه ليست مجرد أزمة ولكنها معضلة، لم يحلها الطيران الإسرائيلي ولن يحلها التمدد في أي مكان، وهذه حقيقةٌ تقرّ بها إسرائيل ولكن لا تعلن اعترافها بها، تؤكد بالوقائع أن ما تفعله إسرائيل وحتى لو انفتحت أبواب كل العواصم أمامها، فسوف تظل تعاني من وجود أصعب قضية في العصر، هي قضية الشعب الفلسطيني وتأثيراتها ليس على مستوى الشرق الأوسط فقط وإنما على العالم بأسره.