في الليل نعتقد ان الحرب العالمية ستقوم وفي النهار نتحدث عن المنخفض الجوي
لفت انتباهي طريقة نشر الاخبار على مجموعات الواتس اب (هي الأكثر انتشارا في فلسطين) من ناحية صناعة اخبار التفاعل الاجتماعي ومنها يتم التوزيع على غالبية تطبيقات التواصل الاجتماعي.
الامر يخرج عن السيطرة ليلا. اخبار الحرب وايران ولبنان وغزة والقصف والتوغل والاجتياحات والاعتقالات، وتحرك الاساطيل وتحليق القاذفات العملاقة وتغريدات الرئيس ترامب. في البداية اعتقدت ان الامر يتعلق بفارق التوقيت مع القارة الامريكية وان ذروة تفاعل الاخبار عندهم يكون بتوقيت الليل عندنا، وبدا هذا منطقيا . الا ان تكرار الامر يشير الى ان هناك جهات منظمة تتحكم بمستوى التوتر المطلوب ونزع اليقين في ظل صمت الجهات الرسمية وانتقالها الى منصة المتفرجين مع العامة. حتى لو كان الخبر يتعلق بالحكومات فانك ترى الحكومات مشاركة في "تفاعل الاستباحة" المستمر ليلة بعد ليلة .
وما ان تشرق الشموس حتى يتبدل الحال ، وينتقل اهتمام الجميع الى اخبار الراتب وسعر صرف العملة والمنخفض الجوي !! وكأن اخبار الليل اختفت او اسدل عليها ستار الانتظار حتى قدوم الليلة التالية .
ومن وجهة نظري ان السبب في هذا الانفصام الاخباري هو:
-دخول الاخبار الإسرائيلية وحديثا اخبار السوشيال ميديا باللغة العبرية الى حياتنا ، وصارت كل تغريدة يكتبها صحفي او ضابط باللغة العبرية تحظى بتفاعل اكبر من تغريدات الحكومات العربية.
-الانحياز الإعلامي حيث ان القنوات العربية منقسمة بين تيارين فكريين وطرفين متحاربين او متخاصمين وكل جهة تستخدم الدعاية السوداء لصالحها. فيجري تضخيم شيء صغير او تسخيف امر جلل وكبير.
-تضارب الروايات، الفلسطينية مع الإسرائيلية. والعربية مع العربية، والإيرانية مع الامريكية وهكذا ما يخلق حيرة وبلبلة شديدة.
-الدعاية والحرب النفسية حيث تستخدم الأطراف ما يلزمها لأجل الترويج لروايتها مثل (القاذفات الامريكية تحركت) أو (انظروا الى السماء الليلة) ونشر صور واخبار ملفقة لخلق فقدان الثقة والبلبلة.
-صعوبة التحقق من الاخبار بسبب إجراءات الاغلاق والتخويف والملاحقة ما يحد من قدرة الصحفيين المحترفين على التحقق.
-استخدام الذكاء الاصطناعي في دبلجة الاخبار والصور والتقارير وفي تأليف الحكايات والقصص الملفقة او نصف ملفقة او ربع ملفقة في سياقات مختلفة.
-الاستخدام الجائر والعشوائي للمصطلحات مثل "اشتباكات عنيفة" او "قصف متبادل" او "مئات القتلى" وغيرها ما يزرع الهلع في صدر الجمهور.
لاحقا.. يكتشف الناس ان معظم الاخبار كانت ملفقة ولكن بعد ان تكون الفوضى قد سرت في الصفوف وارتبك الجمهور المستباح. وصمت الجهات الرسمية.
ان فقدان اليقين لا يعني غياب الحقيقة. بل يعكس صراعا حادا وشرسا على الرواية بحيث تصبح الرواية والقصة هي المعركة ذاتها.