حماس، الإسلام السياسي، والانقسام الفلسطيني: قراءة زمنية في المسار والانكشاف

2026-01-16 19:34:36

لم يكن صعود حركة حماس، بوصفها امتدادًا عضويًا لتنظيم الإخوان المسلمين، حدثًا خارج السياق التاريخي للصراع في المنطقة، ولا معزولًا عن التحولات الدولية التي أعقبت ضعف المشروع القومي العربي. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، ومع تراجع الحركات القومية والتحررية، جرى فتح المجال أمام الإسلام السياسي ليملأ الفراغ، لا باعتباره مشروع تحرر وطني، بل كبديل وظيفي قابل للاحتواء والتوظيف .

في تلك المرحلة، لم تُواجَه حماس باعتبارها خطرًا استراتيجيًا من قبل الغرب أو إسرائيل، بل جرى التعامل معها بوصفها أداة موازِنة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقوة قادرة على شقّ الصف الوطني، وإضعاف التمثيل الفلسطيني الموحد. هذا التقدير الإسرائيلي والغربي لم يكن أخلاقيًا، بل براغماتيًا بحتًا: كل ما يضعف المشروع الوطني الفلسطيني يُعد مكسبًا استراتيجيًا . 

مع اندلاع الانتفاضة الأولى، برزت حماس بقوة في الشارع الفلسطيني، لكنها اختارت منذ البداية الوقوف خارج إطار منظمة التحرير، رافضة برنامجها السياسي، ومقدمة نفسها بوصفها “البديل المقاوم”. هنا بدأ التناقض البنيوي: مقاومة بلا مشروع وطني جامع، وخطاب تعبوي منفصل عن استراتيجية تحرر شاملة . 

جاءت مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو (1993) لتُعمّق هذا التناقض. فبدل أن تخوض حماس معركة سياسية وطنية موحدة ضد الاتفاق ضمن إطار جامع، ذهبت نحو تكريس الثنائية: سلطة مقابل “مقاومة”، شرعية دولية مقابل “شرعية الشارع”. هذه الثنائية خدمت الاحتلال، لأنها قسمت الساحة الفلسطينية إلى مسارين متصارعين بدل مسار واحد متكامل . 

المنعطف الأخطر وقع عام 2006–2007. فبعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية، كان بالإمكان تحويل النتيجة إلى مدخل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة. لكن ما حدث كان العكس تمامًا. جرى الانقلاب على الشرعية الوطنية في غزة، وتكريس سلطة أمر واقع بالقوة، ليدخل الفلسطينيون رسميًا مرحلة الانقسام البنيوي: سلطتان، مشروعان، وخطابان، في ظل احتلال واحد . 

منذ ذلك التاريخ، لم يعد الانقسام أزمة عابرة، بل أصبح بنية حكم قائمة بذاتها، خاصة في قطاع غزة. تفرد حماس بالحكم لم يكن فعل مقاومة، بل ممارسة سلطة بلا سيادة. سلطة تدير الحصار بدل كسره، وتتعامل مع المعاناة باعتبارها أداة ضبط اجتماعي، لا قضية سياسية يجب تفكيكها . 

في هذا السياق، برز الدور القطري بوصفه عنصر تثبيت للواقع القائم. الدعم المالي الذي تدفق إلى غزة لم يأتِ لكسر الحصار أو إنهاء الانقسام، بل لإدارتهما. والأخطر أن هذا المال دخل بموافقة إسرائيلية واضحة، لأن الاحتلال وجد في هذه المعادلة مصلحة مباشرة: حماس تحكم غزة، غزة منفصلة عن الضفة، والانقسام مستقر وقابل للاستثمار عسكريًا وسياسيًا . 

ثم جاءت موجة “الربيع العربي” عام 2011، لتمنح الإسلام السياسي شعورًا زائفًا بالتمكين. راهنت حماس على صعود الإخوان في الإقليم، واعتقدت أن التحولات ستمنحها غطاءً استراتيجيًا دائمًا. لكن هذا الرهان سقط سريعًا مع فشل الإسلام السياسي في إدارة الدولة، وسقوطه في أكثر من بلد، لتعود حماس إلى دائرة الارتهان للمحاور والبحث عن مظلة حماية، لا عن مراجعة سياسية وطنية . 

مع تعمق التحولات الإقليمية بعد 2018، وعودة الولايات المتحدة لإدارة المنطقة بشكل مباشر، انتهى هامش المناورة. بات واضحًا أن لا مكان لأدوار رمادية، وأن وظيفة حماس كقوة ضابطة لغزة باتت أهم من خطابها المقاوم. هنا تحوّل الهمّ الأساسي من مواجهة الاحتلال إلى الحفاظ على السلطة، ولو بثمن سياسي باهظ . 

وجاءت حرب الإبادة على غزة لتكون لحظة الانكشاف الكامل. لم تسقط غزة فقط تحت القصف، بل سقط النموذج بأكمله: نموذج المقاومة المنفصلة عن المشروع الوطني، ونموذج السلطة المنقسمة، ونموذج الرهان على المال والمحاور بدل الوحدة. في غياب قرار وطني موحد، وغلاف سياسي جامع، تُرك القطاع وحيدًا في مواجهة آلة التدمير.

ما جرى في غزة لم يكن قدرًا محتومًا، بل نتيجة مسار طويل من الأخطاء: تفرد، انقسام، ارتهان، وسوء قراءة للعدو وللنظام الدولي. لقد دُمرت المدينة لأن القرار لم يكن وطنيًا جامعًا، ولأن الانقسام كان أعمق من الصواريخ.

أما الشعب الفلسطيني، فكان الضحية الدائمة. انتقل من مشروع التحرر إلى سياسة البقاء، ومن الحلم الوطني إلى إدارة الألم اليومي. وهذه أخطر نتائج الانقسام: حين يُعاد تعريف القضية من قضية تحرر إلى قضية إغاثة.

وكانت هناك مدينة اسمها غزة.

مدينة لم تُهزم لأنها ضعيفة،

بل لأنها حوصرت سياسيًا قبل أن تُقصف عسكريًا.