غزة جراح مفتوحة وأفق ينتظر
هناك لحظات في التاريخ تتوقف فيها عقارب الساعة، لا لتعلن نهاية الزمن، بل لتؤذن ببداية جديدة. و غزة اليوم، بعد كل ما مرت به من محن ومآسٍ، تقف على عتبة واحدة من هذه اللحظات الفارقة.
تعيين اللجنة الإدارية لإدارة قطاع غزة ليس مجرد قرار إداري يضاف إلى سجل القرارات، إنما هو - في حقيقة الأمر - محاولة لترجمة آلام شعب بأكمله إلى مشروع نهوض. فالشعب الذي دفع من دمه ودموعه ثمناً باهظاً، والذي رأى بيوته تتحول إلى ركام، ومستشفياته إلى أطلال، ومدارسه إلى ذكريات محروقة، هذا الشعب يلتف اليوم حول أي بصيص أمل يخرجه من نفق الحرب المظلم إلى فضاء المرحلة الثانية، مرحلة البناء والتعافي.
لقد تحولت غزة خلال الأشهر الماضية إلى مشهد يتجاوز قدرة الكلمات على الوصف. أكثر من مليوني إنسان يعيشون بين الموت والحياة، بين الخيام المهترئة والبيوت المدمرة. آلاف الشهداء تحت الأنقاض، وآلاف الجرحى بلا علاج، وأطفال فقدوا عائلاتهم بأكملها، ونساء أصبحن أرامل وأمهات لأيتام في لحظة واحدة. المأساة في غزة ليست أرقاماً تُذاع في نشرات الأخبار، بل هي أحلام انطفأت، ومستقبل بأكمله يحتاج إلى إعادة بناء من الصفر.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: ماذا بعد؟
الشعب في غزة لا ينتظر معجزات، لكنه يتطلع إلى خطة واضحة، إلى رؤية تعيد له كرامته وأمله. التطلعات متعددة ومشروعة: إعمار يبدأ بإزالة الركام وينتهي ببناء مدن حديثة، فرص عمل تعيد للرجل قيمته وللمرأة دورها، مستشفيات تداوي الجراح الجسدية والنفسية، مدارس تستقبل جيلاً بأكمله حُرم من التعليم، وبنية تحتية تليق بشعب صمد كل هذا الصمود.
لكن التحديات جسيمة. كيف نعمّر ما دُمر بهذا الحجم الكارثي؟ كيف نخلق فرص عمل في اقتصاد محاصر منذ سنوات؟ كيف نعالج الجراح النفسية لأطفال رأوا الموت بأعينهم؟ كيف نعيد بناء الثقة بين شعب عانى الأمرين وبين أي سلطة جديدة؟
اللجنة الإدارية تواجه امتحاناً عسيراً. عليها أن تثبت أنها ليست مجرد واجهة إدارية، بل مشروع حقيقي للخلاص. عليها أن تكون شفافة، نزيهة، قادرة على حشد الدعم الدولي والإقليمي، وأن تضع مصلحة الناس فوق كل اعتبار سياسي أو فئوي.
وفي النهاية، غزة ليست مجرد قطعة أرض محاصرة على ساحل البحر المتوسط، بل هي رمز لصمود شعب رفض الانكسار. واللحظة الراهنة تتطلب من الجميع - من اللجنة الإدارية، ومن الشعب نفسه، ومن كل من يملك ضميراً حياً - أن يتحدوا في مواجهة التحديات. فإما أن نخرج من هذه المحنة أقوى وأكثر تماسكاً، وإما أن نبقى أسرى لدوامة لا تنتهي من الدمار والضياع.
والتاريخ، كما علمتنا دروسه، لا يرحم الذين يضيعون اللحظات الفارقة.