دافوس 2026: قراءة في خطاب رئيس الوزراء الفلسطيني
جاءت كلمة رئيس الوزراء الفلسطيني د. محمد مصطفى في منتدى دافوس الاقتصادي 2026 في لحظة سياسية واقتصادية فارقة، لا على المستوى الفلسطيني فحسب، بل على مستوى النظام الدولي الذي بدا منهكًا من الأزمات المتراكمة، ومترددًا في تحمّل كلفة الحلول الجذرية. ومن هذه الزاوية، لا يمكن قراءة الخطاب بوصفه كلمة بروتوكولية في محفل اقتصادي، بل باعتباره محاولة واعية لإعادة تموضع القضية الفلسطينية داخل العقل العالمي، عبر نقلها من خطاب الصراع والحقوق المجردة إلى خطاب الاستقرار، الحوكمة، والمخاطر الاقتصادية بعيدة المدى.
ما ميّز خطاب مصطفى هو إدراكه لطبيعة جمهور دافوس: قادة دول، صناع سياسات مالية، رؤساء مؤسسات دولية، ومستثمرون لا يتحركون بدافع التعاطف الأخلاقي، بل وفق حسابات الاستقرار والمخاطر والعائد. لذلك لم يبدأ خطابه من سردية المظلومية الفلسطينية، رغم مشروعيتها، بل من سؤال يبدو للوهلة الأولى تقنيًا: كيف يمكن لعالم يسعى إلى النمو والاستقرار أن يتجاهل بؤرة مفتوحة لانعدام الاستقرار في قلب الشرق الأوسط؟ بهذا المعنى، أعاد مصطفى تعريف القضية الفلسطينية كـقضية نظام دولي لا كملف نزاع محلي مؤجل.
في هذا الإطار بدا حل الدولتين في خطابه ليس شعارًا سياسيًا تقليديًا، بل ضرورة وظيفية لاستقرار الإقليم. فالاحتلال كما قدّمه، ليس فقط انتهاكًا للقانون الدولي، بل عائقًا بنيويًا أمام التنمية، ومصدرًا دائمًا لاضطراب الأسواق، وتفكك سلاسل الإمداد،
وتنامي المخاطر الأمنية. هذا الربط بين السياسي والاقتصادي يعكس انتقال الخطاب الفلسطيني من مرحلة المطالبة الأخلاقية إلى مرحلة بناء الحجة العقلانية الموجهة إلى مراكز القرار العالمي.
وعندما شدد مصطفى على ضرورة تمكين السلطة الفلسطينية وبسط ولايتها على كامل الأرض الفلسطينية،
لم يكن ذلك مجرد تأكيد على شرعية سياسية، بل محاولة استباقية لرسم صورة الشريك القابل للعمل في مرحلة ما بعد الحرب. فالرسالة الضمنية هنا أن الفراغ السياسي أخطر من الصراع نفسه، وأن أي مشروع لإعادة الإعمار أو التعافي الاقتصادي لن يكون ممكنًا دون عنوان سياسي موحد، قادر على الإدارة والمساءلة وتحمّل الالتزامات الدولية. في هذا السياق، قدّم مصطفى السلطة الفلسطينية بوصفها بنية حكم لا تبحث عن تعاطف، بل عن تفويض عملي.
اقتصاديًا حمل الخطاب تحولًا لافتًا في اللغة. فبدل الحديث عن المساعدات، استخدم مصطفى مفردات التخطيط، الاستثمار، وإعادة الإعمار المستدام. لقد حاول أن يخرج فلسطين من صورة الاقتصاد الإنساني الطارئ إلى أفق اقتصاد ما بعد الصدمة، حيث تصبح إعادة إعمار غزة والضفة مشروعًا طويل الأمد، مشروطًا بالاستقرار السياسي والحوكمة الرشيدة. وهذا الطرح يتقاطع بوضوح مع منطق المؤسسات المالية الدولية التي لم تعد مستعدة لضخ الأموال في بيئات غير مستقرة أو غير خاضعة للمساءلة.
غير أن أحد أكثر أبعاد الخطاب دلالة كان نقله العبء الأخلاقي من الفلسطينيين إلى المجتمع الدولي. فمصطفى لم يطالب العالم بأن يشعر بمعاناة الفلسطينيين، بل بأن يتحمّل مسؤوليته تجاه نظام دولي يدّعي احترام القانون وحقوق الإنسان. هنا تحوّل الخطاب من لغة الاستجداء إلى لغة المحاسبة الهادئة، وكأن رئيس الوزراء يقول ضمنًا: إن فشل الحل ليس نتيجة غياب الرؤية الفلسطينية، بل نتيجة تردد الإرادة الدولية.
وفي العمق يمكن قراءة الكلمة كجزء من بناء سردية فلسطينية جديدة لمرحلة ما بعد الحرب،سردية لا تنكر حجم المأساة، لكنها ترفض أن تبقى أسيرة لها؛ سردية تسعى إلى إعادة تعريف الفلسطيني لا كضحية دائمة، بل كفاعل سياسي واقتصادي قادر على إدارة دولته إذا أُزيلت القيود المفروضة عليه. هذا التحول السردي بالغ الأهمية، لأنه يخاطب العالم بلغته، ويكسر الصورة النمطية التي حاصرت الخطاب الفلسطيني لعقود.
مع ذلك لا يخلو الخطاب من تحديات بنيوية. فهو يراهن بشكل كبير على مجتمع دولي أثبت مرارًا محدودية استعداده للانتقال من الأقوال إلى الأفعال، كما أن نجاح الرؤية المطروحة يبقى مرهونًا بعوامل داخلية فلسطينية معقدة، في مقدمتها الوحدة السياسية وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم. لكن رغم ذلك، فإن قيمة الخطاب لا تكمن فقط في نتائجه المباشرة، بل في كونه محاولة جادة لإعادة صياغة موقع فلسطين في الخريطة الذهنية للعالم.
إن كلمة د. محمد مصطفى في دافوس 2026 لم تكن مجرد مشاركة فلسطينية في منتدى اقتصادي عالمي، بل كانت محاولة لإعادة إدخال القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش العالمي من بوابة الاقتصاد والاستقرار والحوكمة. إنها كلمة تعكس انتقال القيادة الفلسطينية على مستوى الخطاب من إدارة الأزمة إلى التفكير في إدارة ما بعدها، ومن مخاطبة الضمير إلى مخاطبة المصالح، واضعةً العالم أمام خيار واضح إما الاستثمار في حل عادل ومستدام، أو الاستمرار في دفع كلفة الفوضى المفتوحة.