من وحدة الداخل إلى معركة المشروع الوطني ، ضد الوصاية ومع استعادة منهج التحرر .
تعكس الدعوات المتزايدة لتشكيل محاور إقليمية وأطر دولية جديدة حجم الأزمة العميقة التي يعيشها النظامان العربي والإقليمي، وعجزهما عن إنتاج استراتيجية فاعلة لمواجهة الهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية المتجددة. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في هشاشة هذه الطروحات أو تناقضاتها، بل في ما يُراد فرضه عمليا على الحالة الفلسطينية، من خلال السعي إلى استبدال المشروع الوطني التحرري بأطر إدارية تكنوقراطية، وتفريغ السياسة من مضمونها النضالي، وتحويل الصراع من قضية تحرر وطني إلى مسألة إدارة أزمات .
في هذا السياق ، لا يمكن فصل الطروحات الإقليمية والدولية المطروحة عما يُحضر بشأننا ، خصوصا مع الدفع باتجاه تشكيل لجان تكنوقراط لإدارة قطاع غزة، تحت عناوين “الإنقاذ” و”إدارة ما بعد الحرب”. فهذه الطروحات، رغم غلافها الإنساني، لا تمثل حلًا تقنيا لأزمة إنسانية نتجت أصلا عن حرب إبادة وتهجير مستمرة منذ جريمة النكبة الأولى ، في سياق المشروع الصهيوني الإحلالي الاستعماري، بل تُستخدم كأداة وصاية سياسية تهدف إلى إزاحة الفعل الوطني، وفصل الإدارة عن السياسة والمقاومة، وتحويل غزة من ساحة صراع تحرري إلى ملف إنساني–أمني خاضع لإدارة خارجية .
إن هذه المسارات لا تأتي بمعزل عن المنهج الأمريكي الأشمل، القديم–المتجدد، والذي يتجلى اليوم بوضوح في ما يمكن تسميته “الرؤية الترامبية” لإدارة الصراعات . وهي رؤية تركز على حماية مصالح رأس المال العالمي وترسيخ الهيمنة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، كما ورد في وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي المُعلنة مؤخراً ، ومن خلال الدفع بتشكيل ما سُمّي “مجلس السلام”، الذي جرى الإعلان عنه في منتدى دافوس، كإطار دولي جديد يُراد له أن يشكل بديلا عمليا عن دور الأمم المتحدة ، متجاوزا قرارات مجلس الأمن الدولي والشرعية الدولية القائمة .
وفي السياق نفسه، يشهد الشرق الأوسط تصعيدا عسكريا أمريكيا لافتا، مع إعلان إدارة ترامب عن إرسال مجموعة حاملات الطائرات، وتعزيز الوجود البحري والجوي والبري في المنطقة، في ظل التوتر المتصاعد مع إيران والتوجيه بانسحاب القوات الأمريكية من سوريا . ورغم عدم الإعلان عن حرب مفتوحة حتى الآن، إلا أن هذه التحركات تُقرأ من قبل العديد من المراقبين بوصفها “قرع طبول حرب”، ما يعكس قابلية الانتقال من إدارة الصراع إلى تسخين المواجهة الإقليمية عند الحاجة .
وفي ما يخص “مجلس السلام”، ورغم مشاركة عدد من الدول العربية والإقليمية في إطلاقه أو التوقيع على ميثاقه ، فإن هذا الإطار لم يحظَى بتفويض وطني فلسطيني واضح، ولم يصدر عن القيادة الفلسطينية موقف رسمي يعبّر عن تبني سياسي له أو شراكة مقرّرة في صياغته. أما مشاركة بعض الأطراف الإقليمية، فقد جاءت ضمن أطر حضور أو توقيع عام، من دون إعلان برنامج سياسي واضح يضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية أو يحصّن المشروع الوطني من مخاطر الوصاية وإعادة التعريف .
وعليه، فإن هذا المجلس، بصيغته المطروحة، لا يمثل الإرادة الوطنية الفلسطينية، ولا يقوم على شراكة حقيقية مع الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، بل يُدار وفق رؤية أمريكية–إسرائيلية تُبقي القضية الفلسطينية ضمن دائرة الإدارة الخارجية، بعيدا عن جوهرها كقضية تحرر وطني وحق في تقرير المصير ، في ظل اعتراضات دولية وخاصة أوروبية واسعة على تشكيله .
إن فرض لجان التكنوقراط وإدارات الوصاية لا يُعد حلا تقنيًا لأزمات غزة أو الضفة الغربية، بل أداة سياسية لإبقاء فلسطين تحت إدارة محكومة خارجيا، وتحويل السياسة الوطنية إلى ممارسة إدارية روتينية، وتفريغ السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية من دورهما السياسي . والنتيجة العملية لهذا النهج هي إعادة إنتاج الهيمنة الإسرائيلية–الأمريكية بصيغ “أكثر نعومة”، وإدخال الفلسطينيين في دائرة إدارة الأزمة بدل إدارة المشروع الوطني التحرري.
ولا تتوقف خطورة هذا المسار عند قطاع غزة، إذ إن النموذج ذاته جاهز للتعميم في الضفة الغربية، تحت شعارات “الإصلاح”، و”الاستقرار”، و”منع الانفجار”. أي تحويل السلطة الوطنية إلى جهاز إداري منزوع السياسة والسيادة، وظيفته إدارة السكان وربط الاقتصاد بالأمن ، بدل مواجهة الاحتلال وسياساته الاستيطانية ، وتعميق التبعية بدل تفكيكها . وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة وهي تقويض تدريجي لأي أفق تحرري ، وإعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية بأدوات أقل كلفة سياسيا .
الأخطر من ذلك أن هذا المسار يستهدف مباشرة منظمة التحرير الفلسطينية ومكونات الحركة الوطنية، وفي مقدمتها حركة “فتح”، الحامل التاريخي للمشروع الوطني التحرري . فبدل إعادة بناء المنظمة وتفعيلها ديمقراطيا على أسس وحدوية كحركة تحرر وطني وجهة وطنية عريضة ، يجري الالتفاف عليها عبر هياكل بديلة من لجان وإدارات مؤقتة تُمنح شرعية خارجية، وتُفرغ التمثيل الوطني من مضمونه السياسي .
في مواجهة هذا الواقع ، تكتسب تجربة أبناء شعبنا الفلسطيني في الداخل المحتل أهمية استثنائية، بوصفها نموذجا بديلا لبناء القوة من القاعدة إلى القمة . فمحاولات توحيد التمثيل السياسي وإعادة إحياء القائمة المشتركة، وتعزيز التكامل بين العمل البرلماني ولجنة المتابعة العليا، وربط النضال المؤسسي بالنضال الشعبي المنظم، تشكل مسارا فلسطينيا حقيقيا لاستعادة السياسة من قبضة الإدارة والاحتواء .
وفي هذا الإطار، فإن الدعوات إلى تصعيد النضال الشعبي، بما في ذلك العصيان المدني السلمي الذي أشار إليه القائد الوطني "أيمن عودة"، لا تُعد شعارات احتجاجية عابرة ، بل أدوات ضغط جماهيرية قادرة على إرباك منظومة الاحتلال وفرض معادلات جديدة، وإعادة الاعتبار ليوم الأرض كفعل نضالي متجدد .
إن الربط بين ما يجري في الداخل الفلسطيني وما يُفرض على غزة والضفة الغربية بات ضرورة سياسية ملحّة في مواجهة نظام الفصل العنصري والمشروع الاستيطاني الإستعماري . فالمعركة واحدة، وإن تعددت ساحاتها ، معركة على طبيعة المشروع الوطني . فإما مشروع تحرر تقوده إرادة شعبية وتنظيم وطني جامع، تقف في قلبه منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد، ونضال سياسي ودبلوماسي وقانوني وجماهيري متكامل ، أو كيان مُدار بلجان، مضبوط أمنيا، ومموّل بشروط، ومُفرغ سياسيا من المضمون .
المطلوب فلسطينيا اليوم ليس تحسين شروط الوصاية، بل رفضها، وليس البحث عن إدارة “أكفأ” تحت الأحتلال ، بل استعادة السياسة بوصفها فعل مقاومة، وإجراء الإصلاحات اللازمة بقرار وطني مستقل عبر آليات ديمقراطية شفافة . وهذا يمر عبر مسارات واضحة تتمثل في :
- إفشال تحويل غزة إلى مختبر للتكنوقراط .
- منع تعميم النموذج على الضفة الغربية
حماية منظمة التحرير الفلسطينية من التفريغ .
- وتعزيز وحدة الداخل الفلسطيني كجزء لا يتجزأ من البديل الوطني الشامل .
فالنتيجة النهائية واضحة ، من لا يملك قوة داخلية متماسكة ، وتمثيلاً وطنيا ديمقراطيا فاعلا ، وإرادة سياسية مستقلة ، ستُفرض عليه دائما الحلول من الخارج . أما حين تُبنى هذه القوة من القاعدة إلى القمة ، اعتمادا على الشعب كمصدر للشرعية والسلطات ، فإن فلسطين ستُفرض على الإقليم والعالم كقضية تحرر وطني حقيقية، لا كملف يحتاج إلى إدارة .