م. سعد داغر يتحدث لراية عن البذور والأرض ومعركة الغذاء
في حلقة ثرية من بودكاست "ضيف الرايـــة" الذي تبثه شبكة رايــــة الإعلامية، استضاف الإعلامي أحمد عياش المهندس الزراعي سعد داغر، أحد أبرز رواد الزراعة البيئية في فلسطين والمنطقة العربية، في حوار امتد بين الذاكرة الشخصية، والتجربة المهنية، والرؤية الوطنية للأرض والسيادة الغذائية.
داغر، الذي راكم خبرة طويلة في مجالات الهندسة والتخطيط وإدارة المشاريع، لم يكن حاضرًا في المشهد العام بوصفه تقنيًا فحسب، بل كمحلل مهني يقرأ الواقع بلغة الأرقام والمعايير، لا بلغة الشعارات. وفي مداخلاته الإعلامية الأخيرة، ركّز على أن ما تعرّضت له غزة والقطاع الخدمي عمومًا لا يمكن التعامل معه كأضرار جزئية، بل كـ انهيار شامل يتطلب مقاربة مختلفة كليًا.
استعاد داغر تفاصيل نشأته في قرية مزارع النوباني شمال غرب رام الله، حيث تربّى في أسرة فلاحية عاشت الاكتفاء الذاتي، واعتمدت على الأرض في الغذاء والمعيشة. هناك تشكّل وعيه المبكر بالزراعة، من رعي الأغنام وحصاد القمح، إلى المشاركة في مواسم العونة التي شكّلت نسيجًا اجتماعيًا متماسكًا في الريف الفلسطيني.
رحلة العلم والمنفى والعودة
بعد إنهائه الثانوية العامة، تنقّل داغر في مسيرته التعليمية، قبل أن يسافر إلى الاتحاد السوفيتي لدراسة الهندسة الزراعية، حيث أمضى ست سنوات متواصلة تزامنت مع اندلاع الانتفاضة الأولى واعتقال أفراد من عائلته، ما حال دون عودته المؤقتة إلى الوطن. هناك، تميز بإتقانه اللغة الروسية، وحصل على درجة الماجستير بتقدير كامل، قبل أن يعود إلى فلسطين ليبدأ رحلة العمل الميداني.
الزراعة البيئية… خيار مقاومة
يُعد م. سعد داغر من أوائل من أدخلوا مفهوم الزراعة البيئية إلى فلسطين مطلع الألفية، مؤكدًا أن هذا النهج ليس وافدًا من الخارج، بل امتداد للمعرفة الزراعية الفلسطينية التقليدية، التي تقوم على التنوع الزراعي، واحترام البيئة، وإنتاج الغذاء دون كيماويات.
وأوضح داغر أن الزراعة البيئية ليست فقط أسلوب إنتاج، بل فعل مقاومة في وجه سياسات الاحتلال التي تسعى إلى تجريف الأرض، وفرض التبعية الغذائية، ومصادرة البذور.
وخلال الحوار، شدد داغر على خطورة السيطرة العالمية على البذور، معتبرًا أن البذور البلدية هي أساس السيادة الغذائية، وأن فقدانها يعني فقدان القرار الغذائي الوطني. وانتقد الاعتماد على البذور المهجنة والمعدلة وراثيًا التي تفرضها الشركات الكبرى، داعيًا إلى إعادة إنتاج البذور المحلية وحمايتها.
من فلسطين إلى العالم
لم يقتصر دور داغر على الساحة المحلية، إذ مثّل فلسطين في العديد من المحافل الدولية، وكان جزءًا من حركات بيئية عالمية نجحت في وقف مشاريع تنقيب مدمّرة للبيئة، وساهم في تأسيس شبكات متوسطية ودولية للزراعة البيئية، حيث يُنظر إليه كأحد المرجعيات العربية في هذا المجال.
وفي سياق مواجهة الاستيطان، دعا المهندس سعد داغر إلى إعادة الاعتبار للأرض كوحدة إنتاج متكاملة، وعدم حصرها بمحصول واحد كالزيتون، محذرًا من سياسات الاحتلال التي تستغل إهمال الأرض لتصنيفها كـ"غير مستغلة" ومصادرتها لاحقًا.
قراءة هندسية للواقع السياسي
لا يفصل داغر بين الهندسة والسياسة، معتبرًا أن القرارات السياسية تنعكس مباشرة على شكل المدن وحياة الناس. فغياب الاستقرار، ومنع إدخال المواد، واستهداف البنية التحتية، كلها عوامل تجعل أي مخطط عمراني أو خدمي عرضة للفشل ما لم يُصمم وفق سيناريوهات طوارئ.
وفي هذا السياق، يدعو إلى الانتقال من منطق “ما يجب أن يكون” إلى منطق “ما يمكن إنقاذه الآن”، مؤكدًا أن الواقعية المهنية لا تعني الاستسلام، بل حسن إدارة الموارد القليلة بأقصى كفاءة ممكنة.
ما بعد الحرب… أسئلة بلا إجابات جاهزة
يحذّر المهندس سعد داغر من مرحلة ما بعد الحرب، واصفًا إياها بالأخطر، لأن حجم التوقعات سيكون أكبر من الإمكانيات المتاحة. ويشدد على ضرورة الشفافية مع الجمهور، وفتح نقاش وطني حقيقي حول أولويات الإعمار، بدل ترك الأمر لقرارات فوقية أو وعود دولية غير مضمونة.
ويختم بالقول إن إعادة البناء ليست عملية هندسية فقط، بل عملية أخلاقية ووطنية، تتطلب إشراك الكفاءات المحلية، والاستفادة من الخبرات المتراكمة، وعدم تكرار أخطاء الماضي.
يُذكر أن بودكاست "ضيف الرايـــة" برعاية شركة جوال، يقدّم مساحة إنسانية ومهنية مفتوحة لسرد الحكايات الفلسطينية، وتسليط الضوء على شخصيات تركت أثرًا حقيقيًا في المجتمع، بعيدًا عن القوالب التقليدية للمقابلات الإعلامية.