نُمُوُّ التمثيلِ العربيِّ قد يفرضُ خياراتٍ صعبةً على إسرائيل
العمل الحزبي في إسرائيل يستخدم السياسة كأداة صراع على النفوذ والتمثيل والقدرة على التأثير داخل الحكومة والمعارضة على حد سواء، وفي قلب هذا الصراع يبرز المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل كعنصر متغيّر في المشهد السياسي، حيث تعكس تحركات الوسط العربي الفلسطيني الجماهيرية تطوّراتٍ مهمة يمكن أن تعيد رسم موازين القوى داخل الكنيست، وتؤثّر على مواقع رمزية مثل منصب زعيم المعارضة. ما حدث في الأيام الأخيرة من مظاهرات وأرقام استطلاعية يعكس حجم الطموح في الوسط العربي الفلسطيني ورغبته في التأثير السياسي، ويطرح تساؤلات حقيقية حول قدرة المجتمع العربي على تحويل حماسه إلى قوّة انتخابية ملموسة.
فالانتخابات ليست صراعًا على الحكومة فقط، بل أحيانًا يصبح الطموح الحصول على مقاعد تؤهّل لمنصب زعيم المعارضة، الذي يُمنح لرئيس أكبر كتلة برلمانية خارج الائتلاف. هذا المنصب له رمزية كبيرة، فهو ليس مجرّد موقع رسمي، بل رمز للقوّة والبديل، ومن يشغله يكون لديه القدرة على التأثير السياسي والإعلامي. أيّ تغيير في الائتلاف الحاكم قد يؤدّي لأن يصبح زعيم المعارضة هو رئيس الحكومة.
القائمة العربية الموحّدة، التي تمثّل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، شهدت خلال السنوات الماضية تقلّبات في قدرتها على التعبئة والتأثير، جزئيًا بسبب انخفاض نسبة التصويت التقليدية في الوسط العربي، التي تتراوح عادة بين 45 و50% مقابل نحو 65–70% في الوسط اليهودي. هذا يضعها غالبًا في حدود عشرة إلى اثني عشر مقعدًا، رغم كون العرب يشكّلون خمس السكان تقريبًا.
مظاهرة ليلة الأمس في تل أبيب كانت استثنائية من حيث الحجم، حيث تجمّع عشرات الآلاف وربما نحو 100 ألف مشارك في ساحة هبيما احتجاجًا على استفحال العنف والجريمة داخل المجتمع العربي بتواطؤ الشرطة. هذا الحشد ليس مجرّد رقم، بل مؤشّر على ارتفاع الوعي السياسي وحجم الغضب الشعبي ورغبة المجتمع العربي في التغيير، كما يكشف أن القاعدة الجماهيرية العربية قادرة على التعبئة الموحّدة بشكل لم نشهده منذ سنوات.
عبر عقود كانت المظاهرات العربية قبل حرب غزة غالبًا محدودة وخجولة ما حدث الليلة الماضية يختلف تمامًا، فهو لم يكن مجرّد احتجاج اجتماعي، بل إشارة واضحة على استعداد الجمهور للتحرّك سياسيًا والتحوّل إلى قوّة انتخابية.
استطلاع الرأي الأخير يمنح القائمة العربية الموحّدة 15 مقعدًا، وهو رقم أعلى من التمثيل التقليدي ويعكس دعمًا متزايدًا، لكنه لا يعكس كامل الحماس الذي أظهره المشاركون في المظاهرة. هذا يشير إلى أن هناك مجالًا لزيادة عدد المقاعد إذا تم تحويل التعبئة الجماهيرية إلى تصويت منظّم، خاصة إذا ربطت الأحزاب العربية المشاركة بقضية واضحة ومباشرة مثل مكافحة العنف وتحسين الخدمات الأساسية.
مع 15 مقعدًا، تصبح القائمة العربية أكبر كتلة عربية تاريخية داخل المعارضة، لكنها غالبًا لا تزال أقل من أكبر كتلة يهودية خارج الحكومة، ما يجعل منصب زعيم المعارضة على الأرجح بيد حزب يهودي، وهو استمرار للاحتكار الرمزي داخل النظام. مع ذلك، يمنح هذا الحجم الكبير للكتلة العربية قدرة ملموسة على التأثير في القرارات والتحالفات داخل الكنيست، ويحوّلها إلى قوّة ضغط سياسية حقيقية، حتى دون تولّي المنصب الرمزي.
إذا ارتفعت نسبة التصويت في الوسط العربي إلى مستويات أعلى، يمكن أن تصل المقاعد إلى ما بين 18 و20، وهو ما يضاعف النفوذ العربي داخل المعارضة ويشكّل ضغطًا غير مسبوق على النظام السياسي. وفي سيناريو أكثر طموحًا، إذا تمكّنت القائمة العربية الموحّدة من حشد مشاركة جماهيرية غير مسبوقة وتحويلها إلى تصويت فعلي بنسبة عالية جدًا، فقد تتجاوز المقاعد 20 مقعدًا، وهو رقم سيشكّل قوّة كافية لمناقشة مسائل استراتيجية داخل الكنيست، وربما يفرض إعادة التفكير في الوضع الرمزي لمنصب زعيم المعارضة.
في هذا السياق، إذا نجح العرب في تجاوز حاجز العشرين مقعدًا، فإن إسرائيل ستجد نفسها أمام خيار صعب: الحفاظ على الوضع التقليدي لمنصب زعيم المعارضة مع استمرار احتكار الكتل اليهودية، أو إعادة النظر في الرمز السياسي لهذا المنصب، وهو ما يعني ضغوطًا سياسية وإعلامية كبيرة، خاصة وأن قانون يهودية الدولة يصبح على المحك. حتى مع بقاء منصب زعيم المعارضة رسميًا بيد حزب يهودي، فإن الكتلة العربية ستكون قوّة ضغط واضحة داخل المعارضة، ولن يمكن تجاهلها، وسيصبح أي قرار بتجاهلها مكلفًا سياسيًا.
حتى في السيناريو الأقل طموحًا، فإن الكتلة العربية تظل قادرة على التأثير بشكل ملموس، من خلال تشكيل التحالفات والمشاركة في صياغة السياسات، وهذا يجعلها لاعبًا استراتيجيًا داخل المعارضة، رغم استمرار احتكار المنصب الرمزي لزعيم المعارضة.
ما أظهرته مظاهرة 31/1/2026 وحجم المشاركة الجماهيرية، إلى جانب الاستطلاع الذي يمنح 15 مقعدًا، يعكس تحوّلًا نوعيًا في الوزن السياسي للفلسطينيين داخل إسرائيل. الأصوات الجماهيرية لم تعد مجرّد أرقام على ورق، بل مؤشّر حقيقي على قدرة المجتمع العربي على التأثير في الحياة العامة ووضع عنصرية الدولة على المحك.
الالتفاف الجماهيري حول القائمة الموحّدة يضع الكتلة البرلمانية العربية في موقع قوّة استراتيجية لم يسبق لها مثيل، ويؤكّد أن المجتمع العربي قادر على فرض نفسه على أجندة الأحزاب الصهيونية حتى الأكثر تطرّفًا، مما سيحوّل الوسط العربي إلى أداة ضغط ليس برلمانيًا فقط بل جماهيريًا وبالتالي سياسيًا، وهذا قد يؤدّي إلى تغيير حقيقي ولكن تدريجي في المشهد السياسي الإسرائيلي، كما أنه سيمكّن الكتلة من التأثير في الكنيست حتى ضمن قيود المنصب الرمزي لزعيم المعارضة.
منذ السابع من أكتوبر ازداد تغوّل المؤسسة، خاصة الأمنية، على فلسطينيي الداخل بهدف تخويفهم من التعاطف مع غزة خشية أن يكون مصيرهم التهجير. فعلى العكس، هذا التغوّل لم يحقق الهدف، بل وحّد الجماهير باتجاه التضامن مع أهل غزة أكثر من أي وقت مضى، إضافة إلى تنامي فكرة الوحدة، والمظاهرات الأخيرة والاستطلاعات المتزايدة تشكّل دليلًا على هذا التحوّل.
إن التفاف الجماهير حول قائمة موحّدة أصبح مؤشّرًا ملموسًا على قدرة فلسطينيي الداخل على التأثير. كلما ازداد عدد المقاعد، كلما حصلوا على نفوذ أكبر داخل الكنيست، ولم لا داخل المجتمع. إن ما يحدث اليوم ليس حراكًا انتخابيًا، بل بداية لتغيير معادلة القوّة داخل الكنيست، مما يحوّل فلسطينيي الداخل إلى لاعب مؤثّر، قادرًا على الضغط وصناعة القرار والمطالبة بحقوقه، وهو ما قد يغيّر قواعد اللعبة السياسية في إسرائيل للأعوام القادمة.
وفي هذا المقام مطلوب من القيادات الحزبية في الداخل توحيد الصف ووضع برنامج قابل للتطبيق ويلبّي طموحات الجمهور. مطلوب عدم الاعتماد فقط على الأحزاب، فهناك عدد ضخم غير محزّب لكنه وطني، وعليه فمن الضروري أن يكون ممثّلًا ليس في المقاعد فقط بل في التحضير والإعداد. فلسطينيي الداخل، أنتم تستحقّون، كونكم ملح الأرض. كل التوفيق على طريق إنهاء هذا الاحتلال وإلى الأبد.