الإنتخابات البلدية بين العشائر وتفكيك السياسة ودور الحركة الوطنية والمجتمع المدني

2026-02-08 13:23:06

ليست الانتخابات البلدية في السياق الفلسطيني مسألة خدمية أو إدارية بحتة رغم افتراضها كذلك بالدولة الطبيعية ، كما يُراد لها أن تُقدَم اليوم ، بل كانت تاريخياً جزءًا من الأشتباك السياسي مع الأحتلال ، وإحدى أدوات الصمود الوطني والتمكين والحفاظ على الهوية والتمثيل السياسي في الأرض المحتلة . غير أن ما نشهده اليوم ، ونحن على أعتاب انتخابات بلدية يُفترض إجراؤها في نيسان المقبل ، يثير قلقا عميقا يتجاوز شكل الانتخابات إلى جوهرها ودورها ووظيفتها الوطنية بل والمهنية أيضا من حيث دورها التنموي الإجتماعي والإقتصادي والثقافي لكل مدينة وقرية وبالاطار السياسي بالحفاظ على مشروعنا التحرري .

 هذه الانتخابات ورغم اهميتها بما يتعلق بحقوق المواطنة ، كان من الافضل الدعوة لها بعد اعلان واقرار الدستور المؤقت لدولة فلسطين وما يرتبط به من قانون الأحزاب ، خاصة بعد العديد من الملاحظات المشروعة على تعديلات القانون بقرار لأنتخابات الهيئات المحلية وعلى أداء السلطة الوطنية الفلسطينية التي كبلتها اتفاقيات أوسلو وتصاعد تنفيذ المشروع الإستعماري وتغير الوقائع على الأرض ومنها حدود البلديات واعاقة مخططاتها التنظيمية بالتوسع وحتى في مجال مواقع مكبات النفايات . ان المخاطر تكمن في المنحى العشائري المتصاعد الذي بات يُهيمن على عملية اختيار المرشحين وفرضها على قوائم القوى الوطنية والاجتماعية المدنية ، وفي ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية خطيرة قد تُستخدم لاحقا لتفريغ الدور الوطني للبلديات ، والقفز عن دور السلطة ومنظمة التحرير معا الذي يسعى له الأحتلال ، تحت ذرائع “التمثيل الاجتماعي” و”الاستقرار المحلي”.

- من السياسة إلى العشيرة ، تراجع خمسين عاما .

عند المقارنة بين انتخابات عام ١٩٧٦ والانتخابات المرتقبة اليوم ، تتكشف مفارقة فاضحة . في ذلك العام جرت الانتخابات تحت أحتلال مباشر وقمع عسكري بشع . ومع ذلك ، خاضتها الكتل الوطنية المرتبطة بالجبهة الوطنية التي شكلت في حينه واجهة وذراع منظمة التحرير الفلسطينية داخل الأرض المحتلة .

لقد جرى اختيار المرشحين في حينه على أساس الكفاءة، والموقع النضالي ، والتمثيل السياسي الوطني .

حيث فازت الحركة الوطنية من خلال "الكتلة الوطنية" بمعظم البلديات ، إن لم يكن جميعها ، وحوّلت المجالس البلدية إلى ساحات مواجهة سياسية مع الأحتلال وفي مواجهة مع مشروع الإدارة المدنية ورفض خلق البدائل ، ولم تكن العادلة أو العشيرة معيارا او محددة في بناء تلك الكتل الوطنية .

أما اليوم ، وبعد مرور خمسين عاما ، نسمع أن “العائلة الفُلانية قررت” أو أن "حماىل البلد ستختار" ، أو أن “العشيرة الفُلانية سمّت مرشحها الوحيد” وما الى ذلك من اشكال تَعود بنا الى ما قبل المجتمع المدني .

ويتم دفع القوى السياسية ، بما فيها حركة "فتح" ، إلى القبول بهذه الفرضيات ، لا عن قناعة ، بل بفعل العجز أو الخوف من وَهم الصدام الأجتماعي الذي يتذرع به البعض .

هذا ليس تطورا طبيعيا للمجتمع ، بل تراجع سياسي واجتماعي خطير يهدد  الحركة الوطنية الفلسطينية وقواها السياسية بالفشل في القيام بدورها وأختيار مرشحيها وتشكيل قوائمها المنفردة أو الأئتلافية ، وهو ما يؤشر إلى انزلاق واعي أو غير واعي نحو إفراغ السياسة من مضمونها وإلى التناقض مع مفاهيم المجتمع المدني .

- التخوف من فشل القوى السياسية ، لا حيادها .

المسألة هنا لا تتعلق بالعشائر والعائلات ، رغم ان لا شيئ يفرض على جميع افراد العائلة التوافق بالرأي والرؤية لمجرد انهم ينتمون الى نفس العائلة ، فالعشيرة والحامولة جزء من النسيج الفلسطيني الاجتماعي متفاوتة بالأراء ، لكنها لم تكن يوما بديلاً عن السياسة ولا عن المشروع الوطني أو عن الأحزاب والقوى ولا حتى عن مؤسسات المجتمع المدني والأهلي .

المشكلة اليوم أن القوى السياسية لم تعد تختار مرشحيها كما يفترض ذلك . و”فتح” في كثير من المواقع لم تعد تُرشّح ، بل يُفرض عليها من تلك العشائر والعائلات . والمعايير الوطنية تُستبدل بمعايير العدد ، والقرابة ، و”تفادي المشاكل” وفي بعض الأحيان بما يسمى "بالعُرف المُتقادم" في ظل التطور المدني المفترض في تحول المدن الصغيرة الى مدن كبيرة متنوعة على طريق مفهوم "المتروبوليتان" كما هو حال مُدن العالم اليوم التي تغيرت مكوناتها الاجتماعية بفعل ظروف مختلفة . فالتعددية المتنوعة وفق خصوصيات كل مدينة أو قرية لا يكفلها "عُرف" نشأ قبل عقود طويلة ، بل يكفل حمايتها اليوم "القانون" الذي لا يجوز الإجتهاد بنصه وفق رغبات عشائرية .

الأخطر من ذلك أن هذا المنحى يجري في لحظة سياسية شديدة الخطورة تتمثل في ، استمرار حرب إبادة على غزة ، وقيام "مجلس ترامب للسلام" بتشكيل الهيئات دون الصلاحيات والمضمون تحت مسمى " الهيئة الوطنية" لتقويض دور الممثل الشرعي والوحيد ، توسّع استيطاني غير مسبوق في الضفة ، محاولات معلنة لإعادة هندسة الحكم المحلي وطرح صيغ بديلة للسلطة والتمثيل الوطني تحت مسميات “الإدارة الأكفأ” و”الأستقرار” ، كحالة فرض تغيير المناهج وتفريغها من مضمونها الوطني والتاريخي وفق الأشتراطات والاملاءات الأمريكية والبعض الأوروبي التي تشترط استمرار الدعم المالي في ذلك .

- البلديات كبديل سياسي؟ الخطر الكامن .

حين تُنتزع البلديات من سياقها الوطني والتنموي المقاوم ، وتُعاد صياغتها على أساس عشائري صرف ، فهي تصبح :
١. مجالس خدمات دون موقف سياسي او تنموي مرتبط به .

٢.كيانات محلية قابلة للتعامل المباشر مع الأحتلال تحت ضغوطات مختلفة وتمرير سياسات تحت مبررات الإدارة السكانية المفرغة من التحرر .
٣.أدوات محتملة لتجاوز السلطة   الوطنية ومنظمة التحرير بحجة  “التمثيل المحلي” المنتخب ، رغم حاجة تلك الأطر الى التحديث والإصلاح بقرار وطني مستقل  .

وهنا يكمن الخطر الحقيقي في أن تتحول نتائج الانتخابات البلدية ، إذا قامت على أسس عشائرية ، إلى مدخل سياسي لإعادة إنتاج نموذج “إدارة السكان”، وليس إدارة الصمود ومقاومة الأحتلال .

هذا ليس سيناريو نظري كما قد يعقد البعض ، بل تجربة عاشها شعبنا الفلسطيني بأشكال مختلفة منذ "روابط القرى" و "أمارات العشائر" وصولاً إلى محاولات تفكيك التمثيل الوطني التحرري اليوم والذي يتوجب ان يتسم بالشرعية من خلال انتخابات المجلس الوطني في نوفمبر القادم .

- هبوط سياسي أم ناقوس خطر؟
أن تصل الحالة السياسية الفلسطينية إلى مرحلة يُعلن فيها مرشح عشائري باعتباره “المرشح الوحيد”، في ظل :
انسداد الأفق السياسي ، وانهيار مشروع التسوية ، وتكالب مشاريع التصفية . فذلك ليس مجرد خلل إداري ، بل هبوط ومسخرة سياسية بكل معنى الكلمة ، ودليل على عمق الأزمة التي تعيشها الحركة الوطنية باستسلامها الى هذا المنطق وفرض الاسماء عليها  .

فإما أن تُستعاد السياسة إلى هذه الانتخابات ودور القوى السياسية ومؤسسات المجتمع الأهلي والمجتمعي ، بتشكيل قوائم تمثل معنى منظمة التحرير كجرهة وطنية عريضة بما فيها من مكونات المجتمع ، وإما أن تتحول البلديات من أدوات صمود ومواجهة ، إلى حلقات جديدة في مسلسل تفكيك المشروع الوطني الفلسطيني التحرري .

فالانتخابات البلدية ليست تفصيلاً ،

وليست شأناً محليا محايداً ، ولا يجوز تسليمها لمنطق العشيرة بدل منطق البرنامج الوطني والمجتمعي .
 

وفي هذا الخصوص من المفيد الاشارة الى البيان المتقدم الصادر عن احدى عشائر محافظة الخليل في الوطن يوم أمس ٦ شباط ، الذي اكد الرفض القاطع لاي محاولة لجر مجتمعنا الى مستنقع العشائرية والحمائلية المقيتة أو استخدامها لتقويض الهوية الوطنية الجامعة ، اضافة الى اشارته الى ان العشائر يجب ان تكون رافعة للوطن ولا بديلا عنها ، وسنداً المشروع الوطني التحرري لا قيداً عليه . هذا البيان حذر ايضا من مشروع حكم امارات العشائر الهادف لأفراغ النضال الوطني من مضمونه وتحويله الى صراعات داخلية لا تخدم قضايا وصمود شعبنا .

ما نحتاجه اليوم ، قوى سياسية  وأجتماعية واهلية وطنية وشبابية ونسوية فاعلة تتحمل مسؤوليتها . حركة “فتح” تستعيد دورها القيادي مع مكونات الحركة الوطنية التي تحتاج هنا الى الأستنهاض . معايير كفاءات وطنية ومهنية واضحة لإختيار المرشحين بالقوائم الانتخابية على الاقل ، ووعي بخطورة تحويل البلديات إلى بديل سياسي مُدار .

وإلا ، فإننا نكون قد انتقلنا ، خلال خمسين عاما ، من بلديات مقاومة بالقطاعات التنموية والسياسية إلى مجالس إدارة تحت سقف سياسات الأحتلال ، ومن خيارات سياسية وأجتماعية قادرة الى خيارات العشائر والعائلات والحمايل المقيدة . ومن قال أن أياً منهم سوى الأحزاب والقوى السياسية ، يجب ان يجمع بين افرادهم الرؤية والقناعات المشتركة ، أو أن يُفرض عليهم "اختيار أحدهم لتمثيلهم" لتصبح الانتخابات حينها بعيدة عن الديمقراطية قبل اجرائها في مصادرة لحق الجميع بالترشُح والانتخاب والمنافسة وفق رؤى وبرامج انتخابية ديمقراطية يختار المواطن بينهم كحق اساسي له تطبيقا لمبدأ "ان الشعب هو مصدر السلطات" ولنصوص وثيقة إعلان الإستقلال . 

*عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح" .
محافظ سابق وسفير متقاعد .