جولة مع المال العام
حسنا فعل وزير المالية الدكتور إسطفان سلامة باعتماد نهج المكاشفة والظهور الإعلامي رغم أن الكل الفلسطيني كان يتوقع وذهب إلى درجة التأكد مما سيقول الوزير لأن الأمر ليس جديدا ومختلفا بتفاصيله التي تعتمد عليه شخصيا، هل يدخلنا بتفاصيل أم يتركنا على الشاطئ وقد لا نعود من هول الأمر.
تاريخيا، كان منصب المالية صندوقا مغلقا لا يفتح مطلقا وكانت الناس لا تنتظر بيانا بموعد صرف الرواتب لأنه تحصيل حاصل، ولا تحلم بقضايا الضريبة وضريبة الأملاك لأنها كانت قضايا تمر بإجراءات وكان هناك تذمر في زوايا ضيقة وكان الرأي العام الشعبي «ليدفع الكل وينسَ الموضوع». كنا كمواطنين غير متاح أمامنا أن نفهم ما الذي يدور ونناقش عموميات «المقاصة» و»بروتوكول باريس الاقتصادي» و»إعداد الموازنة» كلها في أطر ضيقة وليست على المستوى الشعبي.
في السياق التاريخي، استطاع وزير مالية اسبق هو الدكتور سلام فياض أن يتواصل مع الإعلام والرأي العام ليوصل رسالة وزارة المالية سواء حول شرائح ضريبة الدخل أو أزمات عابرة وانقضت سريعا منها ما عشناها مثل احتجاز المقاصة لفترة قصيرة، فلم يهدأ بل بادر لخطوات في وقتها وجعل المقاصة تعود لمسارها.
اليوم، نحن لسنا في أزمة عابرة بل في أزمة وجودية وخذوا عني: العلاج السطحي لن ينقذ ولن يجدي نفعا من نمط وقف التعيينات والترقيات، أو ترشيد النفقات، أو إبطاء المشاريع التي بدأت، اليوم، يجب أن نرتقي إلى مستوى الحدث ونبني على ما ورد في المؤتمر الصحافي لوزير المالية،
عمليا، إذا أردنا أن نسأل بأثر رجعي فلن ننال إلا نبش ماضٍ نعرفه وعشناه معا وذهبنا صوب جلسات المجلس التشريعي السابق لنستمع لجلسات الاستماع والمحاسبة، وكنا ننتهز أي فرصة فيها حلقة صغيرة للحديث عن المالية، وعندما تسمع اسم هيئة البترول، وهيئة التبغ تظهر نفسك انك لم تسمع لأنها كانت أقدس من التقديس!
الآن، لن يجدي نفعا مع الوضع المالي والاقتصادي التحول للجباية فقط لتأمين الرواتب سواء عبر التقاص مع مقدمي خدمات المياه ومقدمي خدمات الكهرباء، ونقاش طويل على تفاصيل المتراكم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وكأن هذا الأمر ليس جزءا من الإجراءات الشفافة والأساسية!، ولا محاولة متواضعة لإغلاق قربة مخروقة في قطاعات مختلفة تنبهت لها الحكومة كإنقاذ لحظي.
اليوم، مطلوب من الناس ممثلين بمؤسسات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات الشعبية أن يكونوا أدوات رقابة شعبية على المال العام وألا نغيب سنوات وعندما تقع الفأس في الرأس نظهر ونبدأ التحليل، ولا نلقي المسائل المالية والاقتصادية في حجر الناس بل هي مسألة الحكومة أساسا ووزرائها المتعاقبين، ولكن لغياب المجلس التشريعي بات ملحا تطوير أدوات الرقابة الشعبية.
بات ملحا أن تتبع الوزارات السيادية وكل الوزارات والهيئات الحكومية غير الوزارية التي تدير أموالا أيضا سياسة الباب المفتوح، وليس المقصود أن ادخل أينما أريد، بل معايير الشفافية أن يكون الموقع الإلكتروني له معنى وان يكون تفاعليا وليس هدفه معرفة تحركات الوزير واجتماعات الوكيل، أن تكون الرسالة الإعلامية واضحة ذات معنى في وقت البحبوحة ووقت الأزمة العاصفة وأن نشطب من قاموسنا «المواطن مستعجل ولحوح»،
القصة قصة مال، قصة حياة، قصة علاج وتأمين صحي، وقصص راتب طبيب ترك فرصة وجاء هنا، وأستاذ جامعي وأستاذ مدرسة وأسر متضررة وبلديات لها رصيد مالي معلق لدى الخزينة.