قوة مجلس السلام في انعدام بديله
كل الذين عرفوا طريقة الرئيس ترمب في استعراض عضلاته وتسويق رغباته على أنها إنجازات، لم يفاجؤوا بخطابه نصف المكتوب ونصف المرتجل أمام أعضاء مجلس السلام، والذي نقلته الكاميرات إلى جميع أرجاء المعمورة، وفي بلاد العرب والمسلمين، تزامن مع انطلاق آذان الإفطار.
خطاب الرئيس ترمب نشر لوناً وردياً على واقعٍ ما يزال مظلماً، فمن لا يعرف تفاصيل ما يجري على ساحة غزة ولبنان والشرق الأوسط، بما في ذلك إيران، يصدّق أقواله، بأن غزة تنعم بسلامٍ رائع، والشرق الأوسط يستقبل عهداً جديداً كان مستحيلاً منذ آلاف السنين "بهمة الرائع بيبي" وحاملات الطائرات والمدمرات التي تملأ بحار المنطقة، هي في مهمة وساطة بين إيران وإسرائيل، يتمنى أن تنجح، ولم ينسَ وهو يخاطب كل بيتٍ في العالم من خلال الشاشات أن يروّج لفيلم السيدة زوجته الذي قال: إن النساء أحببنه وشاهدنه عدة مرات!
مجلس السلام اكتسب زخم حضورٍ لا يُستهان به، وكذلك زخم غيابٍ نوعي يؤثر حتماً على قدراته، الحاضرون وخصوصاً العرب والمسلمون منهم، يراهنون على احتمالات ضغطه على إسرائيل لعلها تتعاون في أمر الانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية وإلى ما سيليها من مراحل، وآخرون غيرهم رأوها مناسبةً للتقرب من الرئيس ترمب، والغائبون وأبرزهم الحلفاء التاريخيون لواشنطن من الأوروبيين الذين هم أصحاب خبرةٍ تفوق خبرته في الشرق الأوسط، يختلفون معه ليس فقط في معالجاته الارتجالية لملفات الشرق الأوسط، بل في مجمل سياساته منهم ومن حلفهم التاريخي، ومن المسألة الأوكرانية، وكأنهم يوجهون له رسالةً يقولون فيها لقد مضى زمن التوقيع على بياض لكل ما تأمر به واشنطن!.
في تجمعٍ كهذا فإن جميع ضيوفه لا يتفقون معه على تقويض النظام الدولي، والأمم المتحدة ومؤسساتها ووظيفتها، لذا وجدها مناسبةً لطمأنتهم بأن مجلس السلام ليس بديلاً عنها ولكنّ رئيس المجلس ترمب يجب أن يكون فوقها!.
ما تضمنه الخطاب لم يأت بجديدٍ في أمر السياسة، ولكنه حمل جديداً في الجانب المالي عبر عدة ملياراتٍ تمّ التعهد بها، وهي قطرةٌ من بحر الاحتياجات الفعلية لغزة، وكذلك ظهرت بلورةٌ أولية لقوة الاستقرار الدولية، من خلال الإشهار الرسمي لما تمّ بشأن تشكيلها، دون تفصيلاتٍ كافيةٍ حول عملها.
التقويم الموضوعي ليس لمجلس السلام كمؤسسةٍ اخترعها الرئيس ترمب، وإنما له بوصفه المؤسس والمحرك والمتدخل في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ فيه، وعلى هذا المستوى يمكن تلخيص التقويم بجملةٍ قصيرة "كلامٌ كثير وفعلٌ قليل وبطيء، أمّا التعويل عليه فمرده أن لا بديل عنه".