حضور بلا فلسطين … وصمت لا يُطمئن
لم يكن ظهور علي شعث في جلسة ما يُسمّى "مجلس السلام" أمس تفصيلاً بروتوكولياً يمكن تجاهله . في السياسة ، الرموز ليست شكليات . أن يجلس ممثل فلسطيني بلا أسم "فلسطين" أمامه ، وبلا عَلم وأن ترد كلمة "غزة" دون ذكر فلسطين في كلمته ودون حق تقرير المصير والدولة ، فهذه ليست مسألة تنسيق عابر ، بل دلالة سياسية كاملة.
المشاركة جاءت بصفة رئيس "الهيئة الوطنية لإدارة قطاع غزة" التي غيب عن شعارها أسم فلسطين أصلاً ، وهي هيئة تعمل ضمن إطار مرتبط بلجنة تنفيذية يرأسها نيكولاي ميلادينوف تخضع "لمجلس السلام" برئاسة ترامب لمدى الحياة . هنا يكمن جوهر الإشكال ، لسنا أمام تمثيل وطني صريح ، بل أمام صيغة إدارية يجري تقديمها بوصفها عنوان المرحلة في غزة.
والسؤال لا يتعلق بالشخص ، بل بالمفهوم ، فهل أصبح تمثيل الفلسطينيين يُختزل بهيئة لإدارة القطاع بأشراف ترامب وأهله ؟
وهل تحوّلت القضية من تحرر وطني شامل إلى إدارة أزمة إنسانية في غزة؟
اختزال الخطاب في غزة يعكس ويخدم ، بوعي أو من دون وعي ، اتجاهاً دولياً تحاول الولايات المتحدة فرضه بالهيمنة ، يسعى لفصل القطاع عن الضفة والقدس ، وتحويل الصراع من قضية أحتلال يتمدد ويتكرس أستعماريا إلى ملف خدمات وإغاثة ، وهذا أخطر ما في المشهد . فحين يغيب أسم فلسطين عن الطاولة التي تبحث "السلام"، يغيب معها تعريف الصراع نفسه.
الأمر الأكثر إرباكاً هو صمت منظمة التحرير الفلسطينية نفسها التي تجري محاولات تجاهلها . في قضايا التمثيل لا يحتمل الموقف الرمادي ، إما أن تكون هذه الهيئة جزءاً من قرار وطني واضح ومُعلن، أو أن تكون مساراً موازياً تفرضه "العقلية الترامبية" وتديره رغم أعتراض دولي عريض . وفي الحالتين ، الشعب يستحق توضيحاً .
لقد خاض شعبنا عقوداً من الكفاح الوطني لتكريس الإعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً . واليوم ، أي ظهور خارج هذا الإطار ، خصوصاً في لحظة حرب وإعادة تشكيل وهندسة للمنطقة ، لا يشكل حدثاً تقنياً بل سياسي بامتياز.
الإدارة قد تبدأ بوصفها ترتيبات مؤقتة ، لكنها قد تتحول تدريجياً إلى مرجعية بديلة إذا جرى التعامل معها دولياً كذلك.
لسنا ضد أي جهد يخفف معاناة أهلنا في غزة من الكارثة . لكن إدارة المعاناة شيء ، وإعادة تعريف التمثيل شيء آخر تماماً . فلسطين ليست اسماً قابلاً للحذف من بطاقة الجلوس ، وغزة ليست كياناً سياسياً منفصلاً عن مشروعها الوطني ، ودولة الأحتلال بحضورها ليست شريكا في تخفيف آثار كارثة قد صنعتها.
بين حضور بلا فلسطين ، وصمت لا يُطمئن ، يبرز سؤال لا يمكن تأجيله :
هل نحن أمام معالجة ظرفية لمرحلة صعبة ، أم أمام إعادة هندسة هادئة للنظام السياسي الفلسطيني تحت عنوان "إدارة غزة"؟ تمهيدا لنسخ ذلك بالضفة تحت عناوين "لجان أدارة السكان" ؟
في زمن التحولات الكبرى ، الدفاع عن الأسم والعَلم ليس رمزية فارغة ، بل دفاع عن الوطن والشعب والقضية.
* عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح"