إذا ما أراد ملادينوف أن ينجح
وجود السلطة الفلسطينية في غزة، أمرٌ تفرضه الحاجة، ليس لأسبابٍ سياسيةٍ فقط، وإنما للمساعدة الفعّالة في عمل الجهات الدولية المنضوية ضمن إطار مجلس السلام، على الصعد الإدارية والأمنية، وتوفير الحد المطلوب للاستقرار الذي لابد منه للشروع فعلاً في إعادة الإعمار.
وإذا ما دارت العجلة لتنفيذ المرحلة الثانية من مشروع ترمب، تحت إشراف السيد ملادينوف، رغم التعطيل الإسرائيلي، فإن مشاركة السلطة بما لديها من إمكانيات داخل قطاع غزة، يظل أمراً ضرورياً وحيوياً ولا قبل لغيرها على أداء المهام الوظيفية في شتى المجالات.
حضور السلطة على معبر رفح مثلاً وإن كان محدوداً للغاية بفعل الملابسات المتراكمة زمن الحرب، والموقف الإسرائيلي الذي كان رافضاً بحزم وعلى نحوٍ بدا كما لو أنه مطلق، إلا أنه كان مؤشراً على حضورٍ أوسع للسلطة في المراحل القادمة، المفترض أن تشهد وصول قوة الاستقرار الدولية، والشروع في إعادة الإعمار.
ومن واقع إدراكه لأهمية وفاعلية دور السلطة وهو ليس مجرد موقفٍ شخصيٍ من جانبه، فقد أُعلن عن إنشاء مكتب الارتباط للتواصل والتنسيق مع السلطة بما يتماشى مع قرار مجلس الامن 2803، وبناء مستقبلٍ أكثر إشراقاً لأهل غزة والمنطقة بأسرها كما قال.
موقف السيد ملادينوف المنسّق بالتأكيد مع قيادة مجلس السلام الأمريكية، أظهر اختلافاً كبيراً وعميقاً مع موقف نتنياهو بهذا الشأن، ما سينتج جهداً إسرائيلياً معطلاً لعمل السيد ملادينوف، غير أن ذلك لن يصل حدّ تعطيل مهمته وفق ما هو مقررٌ له في مجلس السلام.
حضور السلطة في ملف غزة ما يزال ضعيفاً من حيث الشكل والمضمون، غير أن إمكانيات تطوير هذا الحضور ما تزال متوفرة، نظراً لعاملين أساسيين.. الأول وجود جيشٍ من الموظفين المدنيين والأمنيين التابعين للسلطة في غزة، والثاني أن العالم كله وفي مقدمته الدول العربية والإسلامية، المشاركة في مجلس السلام، لا يرى بديلاً عن دور السلطة في المراحل القادمة.
غير أن ذلك لن يتم بصورةٍ ميكانيكيةٍ وتلقائية، إذ لابد من جهدٍ ذاتيٍ قوي يبذل فلسطينياً ويشمل مكونات العمل الوطني الفلسطيني الذي هو الوجود الأقوى الذي يمتلك قدراتٍ فعليةٍ على ملء الفراغ الذي أنتجته حرب الإبادة والرفض الإسرائيلي لأي دورٍ للسلطة في القطاع، غير أن هذه المقوّمات الإيجابية تثير سؤالاً لا جواب عنه حتى الآن.. هو كيف سينظم الفلسطينيون أنفسهم لخدمة حضورهم في معادلة غزة؟ وإذا كانت إسرائيل هي المعطّل والرافض لدور السلطة فإن إثبات حضور الفلسطينيين يتوقف على قدرتهم في استغلال الحاجة لهم بما يمكنهم من أن يكونوا الطرف الأكثر فاعليةً على أرض غزة وبكل شأن يتعلق بقضيتهم.