بين فتح الفكرة وفتح الممارسة: قراءة من داخل البيت قبل المؤتمر الثامن

2026-02-24 12:18:35

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الحركات الوطنية بغياب النقد داخلها، بل بوجوده. فالحركة التي تتوقف عن مساءلة ذاتها تبدأ فعليًا بفقدان قدرتها على التجدد. وما نشهده اليوم في أوساط كوادر حركة فتح، قبيل المؤتمر العام الثامن، ليس أزمة انتماء، ولا تراجعًا في الإيمان بالحركة، بل حالة حوار داخلي عميق، يمكن وصفها بأنها لحظة مراجعة تنظيمية واعية، تعكس إدراكًا جماعيًا بأن فتح تقف أمام مفترق تاريخي يتطلب وضوحًا في الرؤية وجرأة في القرار.
ما يلفت الانتباه في النقاشات الدائرة بين كوادر الحركة، في الداخل والخارج، أن أحدًا لا يشكك في شرعية فتح أو ضرورتها الوطنية. على العكس، هناك إجماع راسخ على أن فتح ما زالت تمثل العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، وأنها الإطار القادر، بحكم تاريخها وتركيبتها، على حمل مسؤولية المرحلة القادمة. لكن في المقابل، يترافق هذا الإيمان مع إدراك صريح بأن الفجوة لا تكمن في الفكرة، بل في الممارسة؛ ليس في فتح كرمز، بل في فتح كمنظومة تنظيمية تحتاج إلى إعادة تفعيل وتجديد.
هذا التمييز بين “فتح الفكرة” و“فتح الممارسة” هو مفتاح فهم الحالة الراهنة. فتح الفكرة ما زالت حاضرة بقوة في وعي كوادرها، باعتبارها حركة التحرر التي صاغت الهوية الوطنية الفلسطينية الحديثة، وقدّمت نموذجًا فريدًا في الجمع بين البعد الوطني والتنظيمي. أما فتح الممارسة، فهي تواجه تحديات مرتبطة بضعف الفاعلية المؤسسية، وتراجع الشعور بالعدالة التنظيمية لدى بعض الكوادر، واتساع المسافة النفسية بين القاعدة ومراكز القرار. هذا لا يعني انهيار الحركة، بل يعني أن الحركة وصلت إلى مرحلة تتطلب إعادة ضبط العلاقة بين الفكرة وممارستها التنظيمية، حتى تظل الفكرة حية وقادرة على التأثير.
ومن بين جميع القضايا التي طُرحت في النقاشات الداخلية، برزت قضية الأسرى والشهداء والجرحى باعتبارها ليست مجرد ملف إداري أو اجتماعي، بل معيارًا أخلاقيًا يُقاس عليه صدق الانتماء وعمق الالتزام الوطني. فهذه القضية تمثل، في الوعي الفتحاوي، جوهر الهوية النضالية للحركة، وأي خلل في التعامل معها لا يُفسَّر فقط كخطأ إداري، بل كاختبار للوفاء للقيم التي قامت عليها الحركة منذ انطلاقتها. وهذا يعكس حقيقة عميقة: أن شرعية الحركات التحررية لا تُبنى فقط على برامجها السياسية، بل على قدرتها على حماية رموز تضحياتها وصون كرامتهم.
في هذا السياق، يظهر بوضوح أن المؤتمر الثامن لا يُنظر إليه كمجرد استحقاق تنظيمي دوري، بل كفرصة مفصلية لإعادة بناء الثقة التنظيمية وتعزيز الفاعلية المؤسسية. هناك أمل واضح بأن يكون هذا المؤتمر محطة تصحيح، لكن هذا الأمل يترافق مع قلق مشروع من أن يتحول إلى إجراء شكلي يعيد إنتاج الواقع نفسه. هذه المفارقة بين الأمل والقلق ليست علامة ضعف، بل علامة حيوية؛ فهي تعكس أن القاعدة التنظيمية ما زالت ترى في فتح بيتها الطبيعي، وما زالت تؤمن بقدرتها على التجدد، لكنها في الوقت ذاته تتطلع إلى إشارات عملية تؤكد أن الإصلاح ليس شعارًا، بل مسارًا حقيقيًا.
إن ما نواجهه اليوم ليس أزمة وجود، بل أزمة انتقال؛ انتقال من مرحلة الشرعية التاريخية وحدها، إلى مرحلة الجمع بين الشرعية التاريخية والشرعية المؤسسية المتجددة. فتح ما زالت تمتلك رصيدًا وطنيًا لا تمتلكه أي حركة أخرى، لكنها، ككل الحركات الحية، مطالبة بأن تعيد إنتاج هذا الرصيد في صورة مؤسسات فاعلة، وآليات عادلة، وقيادة قريبة من نبض القاعدة.
التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الرؤية، بل في ترجمتها إلى واقع. فالحركات لا تتراجع عندما تخطئ، بل عندما تعجز عن تصحيح أخطائها. وفتح، التي استطاعت أن تقود شعبها في أصعب الظروف، قادرة اليوم، إن توفرت الإرادة، على أن تقود نفسها نحو مرحلة جديدة من الفاعلية والاستقرار.
لكن الحقيقة التي يجب أن نواجهها بوضوح هي أن المرحلة القادمة لن تُحسم بالخطب، ولا بالشعارات، ولا بحسن النوايا وحدها. الثقة لا تُستعاد بالكلمات، بل بالقرارات. والانتماء لا يتجدد بالخطاب، بل بالممارسة. والمؤتمر، مهما كانت أهميته، لن يكون نقطة تحول حقيقية إلا إذا تحوّلت مخرجاته إلى إجراءات ملموسة يشعر بها الكادر في حياته التنظيمية اليومية.
فتح لم تكن يومًا مجرد تنظيم، بل كانت فكرة متحركة، تعيش بقدر ما تتجدد. واليوم، ونحن نقف أمام المؤتمر الثامن، فإن المسؤولية التاريخية لا تقتصر على الحفاظ على إرث الحركة، بل على ضمان قدرتها على الاستمرار كإطار حي وفاعل يقود المشروع الوطني الفلسطيني.
لقد قالت الكوادر كلمتها بوضوح، وعبّرت عن حرصها، وأكدت انتماءها، ورفعت سقف الأمل. ويبقى التحدي الحقيقي أمام القيادة والمؤتمر معًا: أن تتحول هذه الكلمات إلى أفعال، وهذه التطلعات إلى قرارات، وهذه الشعارات إلى واقع. فالتاريخ لا يذكر ما قيل في المؤتمرات، بل ما تغيّر بعدها.