هل خسرنا الهند؟

2026-02-28 18:42:21

ليس السؤال عاطفياً، ولا يُجاب عنه بشعار. فالهند ليست دولة هامشية في النظام الدولي، ولا موقفها تفصيلٌ عابر في القضية الفلسطينية. نحن نتحدث عن دولة تضم أكثر من 1.4 مليار إنسان، قوة نووية، واقتصاداً يتجه ليكون بين أكبر ثلاثة اقتصادات في العالم. لذلك، فإن زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل، وخطابه أمام الكنيست، لا يمكن قراءتهما كحدث بروتوكولي أو مجاملة دبلوماسية، بل كتحوّل سياسي كثيف الدلالة، يستدعي سؤالاً مباشراً: هل خسر الفلسطينيون الهند؟

الإجابة ليست بنعمٍ قاطعة، ولا بلا مريحة. فالهند التي عرفناها تاريخياً، هند نهرو وأنديرا غاندي وحركة عدم الانحياز، لم تكن دولة "متضامنة" مع فلسطين من باب الأخلاق فقط، بل من باب التجربة. دولة خرجت من الاستعمار، وفهمت معنى الاحتلال، واصطفت طويلاً مع حق الشعوب في تقرير مصيرها. فلسطين كانت جزءاً من وعيها السياسي، لا بنداً ثانوياً في خطابها الخارجي.

خطاب مودي أمام الكنيست لم يكن خطاب توازن أو محاولة إمساك العصا من المنتصف. كان خطاب اصطفاف واضح. تعزية إسرائيل وحدها، الإشادة بـ"عزيمتها وشجاعتها"، الإدانة المطلقة لهجوم السابع من أكتوبر دون أي ذكر لمجازر غزة، ثم الإشادة بخطة ترامب واتفاقات أبراهام… كل ذلك يعكس خياراً سياسياً مدروساً، لا زلة لسان ولا مجاملة عابرة.

الأخطر في هذا التحوّل ليس اللغة، بل البنية التي تقف خلفها. فالهند اليوم من أكبر الشركاء الدفاعيين لإسرائيل، وتربطهما علاقات عسكرية وتكنولوجية عميقة، تُرجمت بتوقيع عشرات الاتفاقيات وفتح أنظمة أمنية كانت مغلقة سابقاً. إسرائيل لا ترى في الهند سوقاً فقط، بل عمقاً استراتيجياً جديداً، يخفف اعتمادها شبه الكامل على الولايات المتحدة في لحظة تتآكل فيها صورتها داخل الرأي العام الغربي.

وفي المقابل، ترى الهند في إسرائيل شريكاً يوفر لها التفوق التكنولوجي والأمني في صراعاتها الإقليمية، خصوصاً مع باكستان، ومع صعود خطاب “الإسلام السياسي” الذي تعتبره حكومة مودي تهديداً مباشراً لمشروعها القومي. هنا، تُستبعد فلسطين تلقائياً من مركز الاهتمام، وتتحول إلى جملة إنشائية تُذكر عند الحاجة، بلا مضمون سياسي أو التزام عملي.

صحيح أن مودي أشار إلى "معالجة القضية الفلسطينية"، لكن الإشارة جاءت تقنية، باردة، خالية من أي مضمون حقوقي. لم يتحدث عن الاحتلال، ولا عن الاستيطان، ولا عن الحصار، ولا عن قتل المدنيين. فلسطين كانت حاضرة كديكور دبلوماسي، لا كقضية سياسية حقيقية.

ولكي لا يبقى السؤال نظرياً، فإن المطلوب فلسطينياً هو الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق المبادرة. الهند اليوم تُدار بعقل استراتيجي يوازن بين الطاقة والأمن والتكنولوجيا والأسواق. لذلك، فإن مخاطبتها يجب أن تكون بلغة المصالح لا بلغة العاطفة. نحن بحاجة إلى رؤية واضحة لكيف يمكن لفلسطين أن تكون شريكاً – ولو محدوداً – في مجالات تهم نيودلهي: التكنولوجيا الناشئة، التعليم العالي، الزراعة الذكية، والتعاون الصحي والدوائي. كما أن الانخراط المنظم مع مراكز التفكير والجامعات ووسائل الإعلام الهندية، وبناء جسور مع الأحزاب والتيارات المختلفة، يمكن أن يعيد إدراج فلسطين في النقاش الهندي الداخلي، لا كقضية بعيدة، بل كملف مرتبط بالقانون الدولي والاستقرار الإقليمي الذي تحتاجه الهند في مشاريعها العابرة للقارات.

وفوق ذلك، نحن بحاجة إلى استراتيجية دبلوماسية متعددة المستويات: رسمية، برلمانية، أكاديمية، وشعبية. لا يكفي التواصل مع الحكومة وحدها، بل يجب العمل مع القطاع الخاص الهندي، ومع الجاليات، ومع النخب الثقافية التي لا تزال ترى في فلسطين قضية تحرر وكرامة إنسانية.

إن استعادة العلاقة مع الهند لن تتم عبر استدعاء الماضي، بل عبر إعادة تعريف الحاضر: ماذا نعرض، ماذا نطلب، وكيف نجعل من فلسطين شريكاً لا عبئاً في معادلة المصالح الهندية. هنا فقط يصبح السؤال عن خسارة الهند سؤالاً قابلاً للإجابة بالفعل لا بالتحسر.

المطلوب تحرّك دبلوماسي فلسطيني سريع ومنظّم يقوم على ثلاثة مسارات متوازية: أولاً، إطلاق حوار سياسي مباشر وعالي المستوى مع نيودلهي يركّز على المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي بدل الاكتفاء بالبيانات التقليدية؛ ثانياً، تفعيل دبلوماسية متعددة القنوات تشمل البرلمان الهندي، ومراكز التفكير، والجامعات، ووسائل الإعلام، لشرح الرواية الفلسطينية بلغة القانون الدولي والمصالح الاستراتيجية؛ وثالثاً، تقديم مبادرات تعاون ملموسة في مجالات تهم الهند مثل التكنولوجيا، الزراعة الذكية، والتعليم، بما يعيد تعريف فلسطين كشريك قابل للتفاعل لا كملف إنساني فقط. السرعة هنا ضرورية لأن الفراغ يُملأ سريعاً، وأي تأخر إضافي سيحوّل التباعد السياسي إلى واقع يصعب تعديله.

فهل خسرنا الهند؟ الأدق أن نقول: خسرنا الهند الرسمية في عهد مودي، لكننا لم نخسر الهند كلها. لا يزال هناك رأي عام هندي منقسم، ونخب أكاديمية وثقافية تنتقد هذا الانحياز، وقوى سياسية – وإن كانت أضعف – ترى في فلسطين مرآة لتجربة الهند التاريخية. غير أن هذا الهامش لن يعمل وحده، ولن يتحرك تلقائياً.

المشكلة الفلسطينية الأعمق ليست فقط في تحوّل الهند، بل في عجزنا عن قراءة هذا التحوّل في وقته، وعن تطوير أدوات خطاب ودبلوماسية تناسب عالماً لم يعد يُدار بمنطق الأخلاق وحدها. ما زلنا نخاطب القوى الصاعدة بلغة الستينيات، بينما هي تتحرك بلغة المصالح والتحالفات الصلبة.

الخسارة الحقيقية ليست خسارة دولة بعينها، بل خسارة الزمن. الزمن الذي تأخرنا فيه عن إعادة تعريف موقعنا في نظام دولي جديد، وعن بناء خطاب يتجاوز الاستعطاف، ويتحدث بلغة المصالح، ويخاطب المجتمعات لا الحكومات فقط.

الهند اليوم ليست هند الأمس، كما أن إسرائيل اليوم ليست إسرائيل التسعينيات. والسؤال الأهم لم يعد: هل خسرنا الهند؟ بل: هل نملك القدرة على استعادة حضورنا في عالم لم يعد يشبهنا، ولا ينتظرنا؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد إن كانت خسارة الهند محطة عابرة… أم مقدمة لسلسلة خسارات أكبر.