حماية المصالح العربية، الرَدع الموحد في زمن التوتر الإقليمي .
في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة والعدوان الأمريكي–الإسرائيلي الجاري على إيران ولبنان كما في غزة الى جانب التوسع والضم والإرهاب الأستيطاني بالضفة ، تصاعدت أصوات اتهمت طهران بالاعتداء على سيادة بعض الدول العربية في إطار ردها على الهجمات الأخيرة . غير أن قراءة دقيقة للواقع تكشف أن الضربات الإيرانية استهدفت قواعد أجنبية ، وفي مقدمتها الأمريكية ، ولم تكن موجهة إلى الدول العربية ذاتها .
فوفق الأعراف القانونية الدولية واتفاقية "فينا" ، فإن القواعد والسفارات تُعامل كأراضٍ تابعة للدولة التي تُمثلها ، ما يضع المسألة في إطار الاشتباك المباشر بين أطراف الصراع ، لا في إطار انتهاك سيادة دول عربية
هذا الخلط المتعمد أو غير المدروس بين الوقائع القانونية والسجالات الإعلامية يبرز الحاجة إلى مقاربة استراتيجية متوازنة لمفهوم الردع العربي–الخليجي الموحد ، بما يعني ردع يحمي المصالح العربية ويوازن النفوذ الإقليمي ، دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة أو الأصطفاف خلف أجندات خارجية التي تدفع بها الولايات المتحدة وإسرائيل .
الردع العربي–الخليجي اليوم لا يمكن أن يُختزل في بعده العسكري ، إنه مفهوم متعدد الأبعاد يشمل الدبلوماسية الفاعلة والضغط السياسي وأدوات الاقتصاد والطاقة وإدارة التحالفات الدولية . فحماية المصالح الحيوية للدول العربية تعني منع أي طرف – إقليمي أو دولي – من فرض أجندته بالقوة الغاشمة ، مع الحفاظ على قدرة متوازنة على الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة .
في هذا السياق ، تبرز مسألة “الدفاع المشروع عن النفس” وفق المادة ٥١ من ميثاق الأمم المتحدة ، في مقابل سياسات “الضربات الاستباقية” التي اعتمدتها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل في مراحل مختلفة . إن ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي ، خاصة في ظل ما يجري في غزة والضفة الغربية وما يُناقش أمام محكمة العدل الدولية من جرائم إرتكبتها أسرائيل ، تجعل من الضروري بلورة موقف عربي واضح يستند إلى الشرعية الدولية والقانون الدولي لا إلى الإصطفافات الظرفية .
من جهة أخرى ، فإن أمن الطاقة والممرات البحرية بات عاملاً حاسماً في أي معادلة تصعيد ، فمضيق هرمز ، باب المندب ، والبحر الأحمر ، والممرات المرتبطة بقناة السويس ، ليست مجرد نقاط جغرافية ، بل شرايين للاقتصاد العالمي . أي اضطراب فيها سينعكس مباشرة على اقتصادات الخليج والمنطقة وأوروبا وآسيا . هنا يتجلى معنى الردع العربي بما يتمثل في ، حماية خطوط التجارة العالمية ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات تننتهك فيها سيادة الدولة ووحدة أراضيها وتمارس فيها هيمنة القوة أحادية القطب .
كما أن التطورات لا تجري في فراغ دولي ، فكل من روسيا والصين تتابعان المشهد بدقة ، في ظل تحولات النظام الدولي نحو تعددية قطبية نسبية . وقد لعبت بكين دوراً سابقاً في رعاية التقارب السعودي–الإيراني ، فيما تسعى موسكو إلى الحفاظ على توازنات تمنع انفجاراً إقليمياً واسعاً .
فهل نحن أمام إعادة تشكيل حقيقية للنظام الإقليمي ، أم أمام إدارة أمريكية جديدة للأزمة بأدوات مختلفة ؟ انطلاقاً من ذلك ، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية :
- الأول : ضعف الردع العربي–الخليجي وانفراد إيران بالمواجهة ، بما قد يُفضي إلى إعادة رسم التوازنات لصالح إسرائيل وواشنطن ، وتعميق الأستقطاب الإقليمي .
- الثاني : صمود إيراني مترافق مع تنسيق عربي–خليجي فعال ، يفضي إلى معادلة ردع متوازنة تمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة ، وتفتح الباب أمام حلول سياسية استراتيجية ، بما في ذلك إعادة إحياء مسار تفاوضي يضمن سيادة الدول ويخفض المخاطر النووية .
- الثالث : مواجهة محدودة تتوسع رقعتها تدريجياً ، لتتحول لبنان وفلسطين والممرات المائية الخليجية إلى نقاط ضغط استراتيجية ، ما يستدعي استعداداً عربياً استباقياً سياسياً وأمنياً واقتصادياً .
غير أن أي مقاربة إقليمية لا تضع القضية الفلسطينية في مركزها ستعيد إنتاج أسباب عدم الأستقرار .
فلسطين ليست هامشاً في معادلة الصراع ، بل جوهره السياسي والأخلاقي . وأي ردع عربي لا يتضمن آلية عملية لوقف العدوان الإسرائيلي وإطلاق أفق سياسي حقيقي لإنهاء الأحتلال ، سيظل ناقصاً وقابلاً للأهتزاز مع أول اختبار ميداني .
إن المرحلة الراهنة تمثل لحظة فارقة في تاريخ المنطقة ، فالتحولات العسكرية والدبلوماسية الجارية ستحدد شكل النظام الإقليمي لسنوات مقبلة . الردع العربي–الخليجي الموحد ضرورة استراتيجية لحماية المصالح ، ومنع الأستنزاف طويل الأمد ، وفرض معادلة سياسية جديدة تُلزم جميع الأطراف باحترام السيادة والانتقال من إدارة الأزمات إلى تسوية الصراعات .
فالمنطقة لم تعد تحتمل جولات متكررة من التصعيد ، بل تحتاج إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك السياسي والأمني على أسس متوازنة ، تضمن مشاركة عربية فاعلة في رسم مستقبلها ومستقبل المنطقة ، وتحفظ حقوق الشعبين الفلسطيني واللبناني ووحدة أراضيهم في أي ترتيبات إقليمية قادمة وفي ضرورة مواجهة الترتيبات الأمريكية للمنطقة .