غرف الطوارئ ... حين تتحول الأسماء إلى بديل عن الفعل.

2026-03-05 16:47:34

في إدارة الأزمات، لا تُقاس جاهزية الدول والمجتمعات بعدد اللجان التي تُشكَّل ولا بعدد المسميات التي تُعلَن، بل بقدرتها على إدارة اللحظة الحرجة عندما تقع الأزمة بالفعل. فالدقائق الأولى لأي حادث أو طارئ هي التي تحدد مسار الأمور: هل يتم احتواء الحدث بسرعة وكفاءة، أم يتحول إلى أزمة أكبر بسبب التردد وتشتت القرار؟

المشكلة في كثير من الأحيان ليست في غياب المؤسسات أو الهياكل التنظيمية، بل في الفجوة بين وجودها على الورق وفاعليتها على الأرض. ففي الواقع الفلسطيني، لا يمكن القول إننا نفتقر إلى الأطر المعنية بالطوارئ؛ فهناك لجان ومؤسسات ومجالس متعددة تحمل هذا العنوان. لكن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس: هل لدينا لجان طوارئ؟ بل: هل لدينا قيادة تشغيلية حقيقية تدير الطوارئ؟

الفرق بين الأمرين جوهري. فاللجنة، مهما كان اسمها، لا تصنع استجابة فعالة ما لم تمتلك آلية تشغيل واضحة وصلاحيات تنفيذية وقدرة على اتخاذ القرار الميداني السريع. أما حين تتحول إدارة الطوارئ إلى سلسلة من الاجتماعات المتأخرة أو المراسلات الإدارية، فإننا نكون قد انتقلنا من إدارة الأزمة إلى ملاحقة آثارها بعد وقوعها.

الطوارئ بطبيعتها لا تنتظر الإجراءات البيروقراطية، ولا تعترف بتسلسل إداري طويل. إنها تتطلب غرفة قيادة تعمل في الزمن الحقيقي: تجمع المعلومات فورًا، تقرأ الموقف بسرعة، وتنسّق بين المؤسسات المختلفة، وتوجّه الموارد البشرية والمادية إلى حيث تكون الحاجة الفعلية على الأرض.

ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من اللجان، بل غرف طوارئ مركزية حقيقية تعمل على مدار الساعة في كل محافظة، تمتلك صلاحيات واضحة، وتضم ممثلين مختصين من الجهات المعنية، إلى جانب خبرات مهنية قادرة على التقييم السريع وطاقات شابة مدرّبة على المتابعة الميدانية.

الطاقات البشرية موجودة، والكفاءات متوفرة، لكن المشكلة غالبًا تكمن في غياب الإطار التشغيلي الذي يجمع هذه القدرات ويوجهها بفعالية. فعندما تعمل كل مؤسسة ضمن نطاقها الضيق، دون مركز قيادة موحد، تضيع فرص التنسيق السريع، ويتحول التعامل مع الحدث إلى سلسلة من الاستجابات المتأخرة.

وفي الحالة الفلسطينية تحديدًا، تتضاعف خطورة هذا الخلل. فنحن لا نعيش في بيئة مستقرة تقليدية، بل في واقع معقد يفرضه الاحتلال بما يحمله من تهديدات مستمرة للبنية المؤسسية والمجتمعية. في مثل هذا السياق، يصبح ضعف التنسيق أو بطء الاستجابة أكثر من مجرد مشكلة إدارية؛ إنه خطر حقيقي على قدرة المجتمع على الصمود.

غرفة الطوارئ ليست منصة للتواصل ولا مجرد مكان للاجتماعات. إنها العقل التشغيلي للمنظومة. منها تُدار الموارد، وفيها تُتخذ القرارات، وعبرها يتم توجيه العمل الميداني بطريقة تقلل الفوضى وتسرّع الاستجابة.

لكن هذا لن يتحقق دون منح هذه الغرف صلاحيات واضحة. ففي لحظات الطوارئ، لا يمكن انتظار موافقات متعددة أو العودة إلى تسلسل إداري طويل. يجب أن تكون هناك جهة قادرة على اتخاذ القرار فورًا وتحريك الموارد بسرعة وكفاءة.

إن بناء منظومة طوارئ فاعلة لا يبدأ عند وقوع الحدث، بل قبله بكثير. يبدأ بتحديد المسؤوليات بوضوح، وتفعيل الهياكل القائمة، والاستثمار في العنصر البشري القادر على إدارة الموقف بثقة واحتراف.

في النهاية، حماية المجتمع ليست مسألة شكلية تُدار بالمسميات. إنها مسؤولية تتطلب منظومة قادرة على تحويل القرار إلى فعل، والتنسيق إلى استجابة، والخطة إلى عمل ميداني لحظة وقوع الأزمة.

فالأزمات لا تُدار بالشعارات، ولا تُحتوى باللجان.

الأزمات تُدار بقيادة واضحة، وقرار سريع، ومنظومة تعمل عندما يحتاجها الناس حقًا.