وزير الحرب الأمريكي وكتابه عن الحملة الصليبية الأمريكية
وزير الحرب الأمريكي، المسكون بالحروب المقدسة، المهووس بإنجازالمهمات الرسولية، الذي لا يخجل من إعلان انتمائه لتيار المسيحيةالبيضاء النقية التي ترى في بناء الهيكل الثالث هدفاً نهائياً لها، الذييرى في نفسه امتداداً لذلك الملك الصليبي "المتقشّف" غودفري الذيأقام مملكة القدس اللاتينية على جثث عشرات الآلاف من المسلمينوالمسيحيين وحتى اليهود، الدم لا يعني شيئاً أمام تحقيق النبوءات،والضحايا مجرد أرقام أو خسائر لابد منها لتحقيق المعجزات الإلهية،وزير الحرب الأمريكي هذا يستعيد الحروب الصليبية، ليس في كتبهالفظيعة الشعبوية فقط، بل في نقش ذلك على جسده ليذكِّر نفسهصباح مساء بأنه جندي آخر في حروب غودفري المتقشّف الذي بدأمملكته بعشرات الآلاف من الضحايا، الخطورة في ذلك كله أن هذاالوزير الذي حوّل اسم وزارته من الدفاع إلى الحرب، يأتي تعبيراًصارخاً وصاعقاً عن تلك الروح الدينية المهووسة التي تهب في أوساطمتعددة، تعتقد أن مهمتها هو التعجيل بالآخرة ودفع السيد المسيح إلىالنزول والبدء بمعركة النهاية وإقامة الهيكل، إلى آخر تلك الأوهامالعجيبة الغريبة، وكأن المسيح عندما يعود سيعمل حسب أجندات المهووسين، وكأن المسيح سينزل ليقتل لا لينشر العدل والرحمة.
الحماسة الدينية التي يُظهرها هذا الوزير تشبه ما يقوله رئيسه ومايقوله أعضاء في الكونغرس ووعاظ في الجيش الأمريكي وفي الإعلامحول إنزال المسيح بجهودٍ بشرية خالصة وليس بإرادة إلهية، هذه الروحالدينية تبدو كتبرير للأطماع الاستعمارية أو تقوية لها وتعميقاًلضرورتها، الروح الدينية هذه لا تلغي الرغبة في الاستعمار والتوسعوالسيطرة، بل على العكس من ذلك تماماً، فهذه الروح تبدو وكأنهاالتبرير من جهة والدافعية من جهة أُخرى، الروح الدينية، أو كما يُعبِّرعنها الوشم على ذراع الوزير إياه، هي تعبير عن إرادة الله في إدارةهذه الحرب ورعايتها، وبالمناسبة، فإن حركة الاكتشاف ومن ثم بِدءالاستعمار، ترافق مع حماسة دينية ملتهبة تدعو إلى مزيد من السيطرةوالنفوذ، كان المستعمر في حينه بحاجة إلى تبرير أخلاقي أو دينيللقتل والاستعمار والسرقة، فتطوع النص الديني ليخدم أهدافه تماماً،وهو ما تفعله كل السلطات في الكون وعلى مدى التاريخ كله.
الوزير المحارب هذا هو ابن حضارة تبدأ بالتهاوي والتآكل، لم تعدمقولاتها القديمة تكفي ولا عملتها ولا مؤسساتها ولا حتى قوتها المذهلة،الروح الدينية وحدها هي الكفيلة باستعادة روح ذلك الصليبي الذيحارب كل شيء ليلاحق خيط دخان، وزير الحرب هذا لم يُخفِ إطلاقاًعداءه للإسلام، وذلك من خلال كتبه السطحية والغارقة في الأوهام،ويكفي أن نقرأ ما ترجمه الكاتب المصري حسن قطامش في الفصلالثاني عشر من كتاب "الحملة الصليبية الأمريكية: كفاحنا من أجلالبقاء أحراراً" للوزير إياه، لنرى كمية الجهل والحقد معاً، فهو يعتبر مايسميه "الإسلاموية" الأيديولوجيا الأكثر تهديداً للحرية في العالم،ولهذا، لابد من مواجهتها بشكل مباشر ثقافياً وسياسياً وعسكرياً.
وفيما يتعلق بإسرائيل، فهو يؤيدها في كل أفعالها وممارساتها،باعتبارها دولة ديمقراطية ومن حقها أن تقوم بكل ما تقوم به، وعلىالعكس من ذلك بالنسبة للفلسطينيين، فهو يعارض حل الدولتين ويدعمبكل ما أوتي من قوة الإجراءات الوقائية والعقابية المفروضة علىالفلسطينيين، هذا جزء مما ترجمه الكاتب المصري في الفصل الثانيعشر فقط، فلك أن تتخيل ما قد يحتويه هذا الكتاب، هذا الوزير –أخيراً – الذي لم يتجاوز السادسة والأربعين، بهذه العقلية وهذا التوجهالذي يتحدث بلغة غطرسة وزهو، ويتصرف وكأنه كونت صليبي قديم، لمينتبه على الإطلاق أن المشروع الصليبي – على الرغم من توحشهوانعزاله – لم يستطع أن يصمد، فقد تهاوى على فترات متقاربة، حتىأن آخر جنود هذا المشروع فروا عُراة حُفاة من عكا، ولا أبالغ في ذلك أبداً.