الحرب على إيران جزء من صراع عالمي على التجارة والطاقة والنفوذ

2026-03-15 15:33:30

نحن أمام لحظة مفصلية تعكس تحولاً عميقاً في طبيعة النظام الدولي نفسه. فالقواعد التي حكمت العلاقات الدولية لعقود، والقائمة على الدبلوماسية والقانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف، تبدو اليوم في حالة تراجع أمام منطق القوة العسكرية وإدارة الصراعات عبر الحروب والصواريخ.
منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة قبل أكثر من عامين ونصف، والمنطقة تعيش حالة من الحروب المتداخلة غير المنتهية التي لا تتوقف عند حدود جغرافية معينة. هذه الحروب بدأت تتوسع تدريجياً لتشمل ساحات متعددة في الإقليم، وصولاً إلى التصعيد الحالي مع إيران. هذا التصعيد لا يمكن فهمه فقط من خلال الخطاب السياسي الذي يركز على منع انتشار السلاح النووي أو مكافحة ما يسمى "الإرهاب"، لأن هذه العناوين تمثل جزءاً من الرواية السياسية أكثر مما تعكس جوهر الصراع الحقيقي.
في العمق، يدور الصراع حول إعادة تشكيل الشرق الأوسط سياسياً وأمنياً بما يخدم توازنات القوة الجديدة في المنطقة. هناك مشروع واضح يسعى إلى تثبيت التفوق العسكري الإسرائيلي كركيزة للنظام الإقليمي الجديد، بدعم مباشر من الولايات المتحدة، مع العمل على منع بروز أي قوة إقليمية قادرة على موازنة هذا التفوق. في هذا السياق، لم تعد إسرائيل مجرد فاعل إقليمي يتحرك ضمن منظومة توازنات تقليدية، بل أصبحت جزءاً من تحالف استراتيجي أوسع يسعى إلى إعادة هندسة النظام الأمني في الشرق الأوسط.
لكن فهم هذه التحولات يتطلب أيضاً النظر إلى البعد الدولي للصراع. فالحرب على إيران لا يمكن فصلها عن التنافس العالمي المتصاعد على طرق التجارة والطاقة والنفوذ الاقتصادي. العالم اليوم يشهد صراعاً استراتيجياً بين القوى الكبرى، خصوصاً بين الولايات المتحدة والصين، حول السيطرة على الممرات التجارية التي ستحدد شكل الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.
مبادرة "الحزام والطريق" التي أطلقتها الصين تهدف إلى إنشاء شبكة عالمية من الطرق البرية والبحرية تربط آسيا بأوروبا وافريقيا وهو ما يمثل تحولاً كبيراً في خريطة التجارة الدولية. في المقابل، تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى طرح مشاريع بديلة، مثل الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بالخليج العربي وصولاً إلى إسرائيل وأوروبا عبر البحر المتوسط. هذه المشاريع ليست اقتصادية فقط، بل هي أيضاً أدوات نفوذ جيوسياسي، ولهذا فإن السيطرة على المنطقة جزءاً من معادلة التنافس العالمي.
في خضم هذه التحولات، تبقى حقيقة تاريخية ثابتة: الحروب مهما طال أمدها تنتهي على طاولة المفاوضات. التجارب التاريخية، من الحروب العالمية إلى النزاعات الإقليمية، تؤكد أن الحلول العسكرية لا تنتج سلاماً دائماً، بل تفتح الطريق في النهاية أمام تسويات سياسية, السؤال متى تتفعل الدبلوماسية ؟ العوامل الاقتصادية قد تلعب دوراً حاسماً في تسريع هذا المسار. فأسعار النفط، واحتمالات تعطّل طرق التجارة العالمية، وإغلاق مضيق هرمز، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد العالمي وقد تدفع الأطراف الدولية إلى البحث عن تسوية سياسية قبل أن تتحول الحرب إلى أزمة اقتصادية عالمية أوسع.
في الوقت ذاته، تغيرت طبيعة الحروب المعاصرة بشكل كبير. لم تعد المواجهة العسكرية التقليدية هي الأداة الوحيدة للصراع، بل أصبحت أدوات النفوذ تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات إلى جانب القوة العسكرية. لذلك فإن أدوار قوى مثل روسيا والصين قد تظهر في المجال السياسي والاقتصادي والدبلوماسي أكثر من التدخل العسكري المباشر.
فلسطينيا, أخطر ما في هذه اللحظة التاريخية هو انعكاسها على القضية الفلسطينية. فحالة الاضطراب وعدم الاستقرار الإقليمية المتصاعدة تساهم في تراجع الاهتمام الدولي بما يجري في الأراضي الفلسطينية، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية. هذا التراجع يوفر لدولة الاحتلال فرصة لتسريع سياسات الضم والاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض. من الضروري أن يبلور الفلسطينيون خطاباً سياسياً موحداً يعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية. كما أن تفعيل أدوات القانون الدولي يشكل مساراً أساسياً في مواجهة هذه التحولات، خاصة في ضوء الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية عام 2024 والذي أكد عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي وطالب بإنهائه وتفكيك منظومة الاستيطان.
إلى جانب ذلك، يمكن البناء على الاعترافات الدولية المتزايدة بدولة فلسطين، خصوصاً من قبل عدد من الدول الأوروبية، وتحويل هذه الاعترافات من مواقف سياسية رمزية إلى أدوات ضغط عملية تدفع نحو إنهاء الاحتلال.
ما يجري هو جزء من عملية إعادة تشكيل أوسع للنظام الإقليمي والدولي. ومع أن موازين القوة تبدو حاسمة في لحظات الحرب، فإن التاريخ يذكرنا دائماً بحقيقة بسيطة: الحروب تبدأ في ساحات القتال، لكنها تنتهي دائماً على طاولة المفاوضات. السؤال الحقيقي هو أي شرق أوسط سيخرج من هذه المفاوضات، وما إذا كان سيقوم على منطق القوة الدائمة أم على نظام يعيد الاعتبار للقانون الدولي ومبادئ العدالة.