التحليل الاستراتيجي أم الأمنيات السياسية؟ درس من إيران وترامب
في السنوات الأخيرة، انتشرت تحليلات عديدة عن سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، خصوصًا في عهد دونالد ترامب. كثير من هذه التقديرات كانت متفقة على فرضية أساسية: أن ترامب لن يجرؤ على استهداف إيران مباشرة، لأن طهران تمتلك شبكة أذرع ونفوذ إقليمي يجعل المواجهة مكلفة وخطرة للغاية. هذه التحليلات بدت منطقية على الورق، استنادًا إلى الحسابات التقليدية لموازين القوة، وانتشار ميليشيات إيران في العراق، سوريا، لبنان واليمن.
لكن الواقع أحيانًا يتجاوز التوقعات النظرية. عندما توجهت إدارة ترامب إلى اتخاذ إجراءات فعلية، تبين أن بعض التحليلات كانت مبنية على أمنيات سياسية أكثر من كونها قراءات موضوعية. فقد ذهب ترامب أبعد مما توقع العديد من المعلقين والخبراء، مستهدفًا مراكز قيادية حساسة، بما فيها رمزية قيادة إيران العليا، مما أثبت أن الاعتماد فقط على حجم النفوذ الإقليمي وطول أذرع إيران ليس كافيًا لتوقع ردود الفعل السياسية أو العسكرية بدقة.
هذه الواقعة تكشف عن خلل في طريقة إنتاج “التحليل” لدى بعض المعلقين في المنطقة، خصوصًا من لبنان والأردن وفلسطين. كثير من ما يُطرح على أنه تحليل استراتيجي ليس إلا انعكاسًا للولاءات أو التمنيات السياسية الشخصية. بمعنى آخر، تتحول الكتابة التحليلية إلى منصة لتأكيد موقف مسبق، بدل أن تكون أداة لفهم الواقع ومعاييره. حين يتحول الأمن السياسي إلى معيار التحليل، تفقد التقديرات مصداقيتها، ويصبح الخطأ في الحساب أكثر احتمالًا.
التحليل الاستراتيجي الحقيقي يتطلب عدة شروط أساسية: أولها القدرة على فصل الذاتية عن الواقع الموضوعي، وثانيها قراءة موازين القوة بشكل شامل، بما يشمل القدرة العسكرية، النفوذ الإقليمي، الديناميات الداخلية، والمصالح الاقتصادية والسياسية لكل طرف. الشرط الثالث يتعلق بالتفهم العميق لمنطق صانع القرار؛ أي أنه يجب تقدير ما يمكن أن يقوم به، لا ما نتمنى أن يقوم به.
في حالة إيران وترامب، نجد مثالًا واضحًا على خطأ التقدير الناتج عن الأمنيات السياسية. بعض الكتاب افترضوا أن تحركات ترامب ستظل محدودة، خوفًا من الانتقام الإيراني عبر وكلاء طهران الإقليميين. لكن الواقع أظهر أن القرار السياسي الأمريكي قد يعتمد على حساسية رمزية واستراتيجية معينة، قد تدفع القيادة إلى تجاوز حسابات التكلفة المباشرة، وهو ما أثبتت الأيام التالية من الأحداث.
الخلاصة هنا ليست أن الحسابات الاستراتيجية الأمريكية دقيقة دومًا، ولا أن إيران عاجزة عن الرد. لكنها دعوة لمراجعة طريقة التفكير والتحليل. التحليل الموضوعي ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة لفهم المخاطر، توقع الأحداث، ووضع السياسات الملائمة في بيئة معقدة ومتوترة. أما تحويل التمنيات إلى “حقائق تحليلية”، فهو أقرب إلى ممارسة إعلامية أو خطابية منه إلى قراءة واقعية لموازين القوى.
إن دروس هذه المرحلة واضحة: على الكتاب والمحللين العرب التمييز بين الرغبات والتحليل، بين الأمنيات والاستراتيجية، لأن الخلط بينهما يؤدي إلى أخطاء جسيمة في التقدير، وقد يسهم في نشر وهم القدرة على فهم الأحداث، بينما الواقع دائمًا أكثر تعقيدًا من التوقعات البسيطة.