لنعِد للجمعيات التعاونية حضورها وازدهارها، ونعزّز إقامة التعاونيات للوصول إلى الاعتماد على الذات

2026-03-24 10:46:26

في زمنٍ تتعاظم فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية، يبرز العمل التعاوني لا بوصفه خيارًا ثانويًا، بل كضرورة وطنية ومسارٍ واعٍ نحو تعزيز الصمود وبناء اقتصادٍ متماسكٍ ينبع من إرادة الناس. فالتعاونيات ليست مجرد أطرٍ تنظيمية، بل فلسفة عملٍ تقوم على الشراكة، والتكافل، وتوحيد الجهود من أجل تحقيق مصلحةٍ جماعية تتجاوز حدود الفرد إلى رحابة المجتمع.

إن جوهر العمل التعاوني يكمن في تمكين الأفراد من امتلاك أدوات إنتاجهم وإدارة مصالحهم بصورة ديمقراطية، ضمن منظومةٍ توازن بين البعد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ومن هنا، تتجلى أهميته في قطاعاتٍ حيوية تمسّ حياة المواطنين مباشرة، كـالزراعة، والخدمات، والاستهلاك، والإسكان، وغيرها من المجالات التي تشكّل عصب الحياة اليومية، وتُعزّز مقومات الثبات في وجه الأزمات.

وليس خافيًا أن هذا القطاع يمتلك أثرًا مباشرًا في تحفيز الاقتصاد الوطني، من خلال خلق فرص العمل، وتوليد الدخل، وتحريك عجلة الإنتاج، لا سيما في المناطق الريفية التي تُعدّ الخزان الحقيقي للموارد. كما يسهم في إدماج المرأة والشباب في العملية التنموية، ويعيد الاعتبار للقطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الزراعة والثروة الحيوانية، فضلًا عن دوره في تحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز الانتماء الوطني.

وعند النظر إلى التجارب العالمية، نجد أن التعاونيات شكّلت ركيزة أساسية في اقتصادات العديد من الدول، لا سيما في أوروبا، حيث تنتشر بعشرات الآلاف، وتضم مئات الملايين من الأعضاء، وفق إحصائيات الأمم المتحدة. وهذا ما يؤكد أن العمل التعاوني ليس تجربة هامشية، بل نموذجًا اقتصاديًا ناجحًا أثبت قدرته على الصمود والاستدامة.

أما في السياق الفلسطيني، فإن العمل التعاوني يمتد بجذوره إلى بدايات القرن الماضي، حيث شكّل أداةً فاعلة في مواجهة التحديات، منذ حقبة الانتداب البريطاني، مرورًا بمراحل الاحتلال وما فرضه من تضييقٍ ممنهج. ورغم ذلك، ظلّ هذا القطاع شاهدًا على قدرة المجتمع الفلسطيني على ابتكار أدواته الخاصة للمقاومة الاقتصادية وتعزيز صموده. وقد شهد تطورًا ملحوظًا مع قيام مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، من خلال تنظيمه قانونيًا ومؤسسيًا، بوصفه رافعةً للتنمية الوطنية.

غير أن الواقع الراهن يكشف عن فجوةٍ واضحة بين الإمكانات الكامنة لهذا القطاع ومستوى الإقبال عليه. فما زال الانخراط المجتمعي في العمل التعاوني دون الطموح، رغم ما يحمله من فرصٍ حقيقية لإحداث نهضةٍ اقتصادية واجتماعية، خاصة في أوساط الشباب والمرأة، وفي البيئات الريفية والزراعية. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة إحياء هذا المفهوم، ليس كشعار، بل كممارسةٍ يوميةٍ تعيد بناء الثقة بالعمل الجماعي، وتؤسس لاقتصادٍ أكثر عدالةً واستدامة.

إن النهوض بقطاع التعاونيات يتطلب إرادةً جماعية، تبدأ بتفعيل دور المؤسسات الرسمية وتعزيز شراكاتها مع مختلف الجهات ذات العلاقة، مرورًا بتحديث الأدوات والآليات، وتبني التكنولوجيا كرافعةٍ للتطوير، ووصولًا إلى إنشاء صندوقٍ وطني لدعم وتمويل المبادرات التعاونية. كما أن تعزيز التشبيك بين الجمعيات، وتمكين كوادرها إداريًا وماليًا، وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، كلها خطواتٌ أساسية لضمان كفاءة هذا القطاع وتقليل مخاطره.

وفي هذا السياق، يقع على عاتق الاتحاد العام للجمعيات التعاونية دورٌ محوري، بوصفه المظلّة الجامعة لهذا القطاع ( المرجعية للاتحادات التعاونية الفلسطينية القطاعية ، والتي تشمل: اتحاد الجمعيات التعاونية الزراعية، واتحاد الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، واتحاد الجمعيات التعاونية الحرفية، واتحاد الجمعيات التعاونية للإسكان، واتحاد تعاونيات التسليف والادخار، حيث تضم هذه الاتحادات مختلف الجمعيات التعاونية ضمن قطاعاتها ) ، بما يفرض عليه تكثيف جهوده، وتوسيع حضوره، وتعزيز فاعليته في قيادة العمل التعاوني نحو آفاقٍ أوسع. فهو ليس مجرد إطارٍ تنظيمي، بل ركيزة وطنية يمكن أن تسهم بفاعلية في تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الاعتماد على الذات، وترسيخ الهوية الاقتصادية الوطنية.

إن إعادة الاعتبار للعمل التعاوني ليست ترفًا فكريًا، بل خيارٌ استراتيجي يفرضه الواقع. فحين تتكاتف الأيدي، وتتوحد الجهود، يصبح بالإمكان تحويل التحديات إلى فرص، وبناء اقتصادٍ يصمد، وينمو، ويعبّر عن طموحات الناس… اقتصادٍ يصنعه الناس، ولأجل الناس.