الحرب والسياسة و"نظرية الألعاب"!  

2026-03-24 18:49:54

تجد عديد النظريات في عملية اتخاذ القرار عامة سواء بالحرب او السياسة أوالاقتصاد أو التنظيم السياسي أوالمجتمعي أو النفسي أو المجتمع عامة، أو حتى المجال الشخصي .

 النظرية البنائية

 في السياسة بوضوح فهناك النظرية الواقعية، والتحررية (الليبرالية) الدولية. والنظرية البنائية المرتكزة على الفكر والهوية ، ومن حيث أن الهوية تحدد المصلحة تجد أن الواقعيين يقولون "كل الدول تريد القوة"، أما البنائيون فيقولون  أن "تصرف الدولة يعتمد على تعريفها لنفسها". (مثلاً: هل تُعرف الدولة نفسها كقوة إسلامية؟ أم مسيحية صهيونية كما سياسة ترمب، أم يهودية نقية-كما حال النظام الصهيوني، أم ديمقراطية غربية؟ أم دولة محايدة؟) ومن هنا تبرز أهمية الرواية بالنظرية وروايتنا العادلة في فلسطين.

بالحقيقة نحن أي الأمة العربية الإسلامية أو الدائرة الحضارية ومنها نحن في فلسطين في مواجهة الصهيونية الإقصائية أهم تطبيق للنظرية البنائية حيث صراع الروايات والهوية كأداة بقاء فهويتنا أداة سياسية ومقاومة للمحتل وتظهر كوفية الخالد ياسر عرفات ومفتاح العودة والعلم والخريطة والمقدسات الاسلامية والمسيحية كتمثلات للنظرية .

نظرية الألعاب

وهناك نظريات أخرى، وفي هذه المقالة سنتعرض لنظرية الألعاب فقط Game Theory 

تُعنى نظرية الألعاب كما يورد المختصون بها، وهي المعروفة أيضًا بنظرية القرار التفاعلي، بدراسة سلوك صانعي القرار في حالات الترابط الاستراتيجي. ويُنسب تأسيسها إلى جون فون نيومان وأوسكار مورغنسترن، ولا جدال في أهمية هذه النظرية في السياسة وللعلاقات الدولية؛ فمن المسلّم به أن الدول تتفاعل من خلال محاولة التنبؤ بردود فعل الدول الأخرى على قراراتها.  

تسعى "نظرية اللعبة" إلى شرح العوامل الرياضية والنفسية التي تقود عملية صنع القرار من قبل الجهات الفاعلة المستقلة في بيئة تنافسية. ولقد طبق العالم نيومان أيضًا بعض أساليب نظرية اللعبة على تنبؤاته حول الحرب الأوربية المسماة العالمية الثانية باستخدام نموذج رياضي لاستنتاج انتصار قوات الحلفاء. والى ذلك أثبتت نظرية اللعبة أنها بعيدة المدى بشكل لا يصدق، بل تم استخدامها على نطاق واسع في مختلف المواقف الاجتماعية والحقيقية التي لا علاقة لها بالألعاب.

 تطبيق "نظرية الألعاب" في الحياة اليومية

تصنف نظرية الألعاب الألعاب إلى نوعين رئيسيين: تعاونية وتنافسية. وتتضمن الألعاب التعاونية العمل معًا لتحقيق هدف مشترك، بينما في الألعاب التنافسية، يتصرف اللاعبون بشكل فردي دون تواصل أو تعاون. وهي تفهم أو تُلعب كالتالي بين: اللاعبين والاستراتيجيات والنتائج/العوائد.

1. حدد اللعبة، واللاعبين : تعرّف (كفرد أو تنظيم أو دولة) على المواقف السراطية (الاستراتيجية) التي تواجهها، وافهم قواعدها وحدودها. وابحث عن التفاعلات التي تعتمد نتائجها على خياراتك وخيارات الآخرين.

2. افهم خصومك، والاستراتيجيات : حدد أهدافهم ودوافعهم ونقاط قوتهم وضعفهم. ويساعدك هذا الفهم على وضع استراتيجية تأخذ في الاعتبار أفعالهم وردود أفعالهم.

3. النتائج النهائية/العائدات: حلل السراطيات (الاستراتيجيات) : فكّر في كيفية تحقيق أهدافك مع مراعاة تحركات وردود أفعال خصومك. والى ذلك استبق الأحداث، وتوقع المستقبل، وقيّم العوائد المحتملة.

يمكننا القول أن الهدف من استخدام نظرية الألعاب ليس دائمًا "الفوز"، بل اتخاذ قرارات تُسهم في بناء علاقات أقوى، واتخاذ قرارات أفضل، وتحقيق نتائج أفضل، وهذا في حالة العقلانية وليس اللعبة الصفرية حيث الفوز أو الدمار.

معضلة السجين 

المثال التقليدي في نظرية الألعاب هو فيما يسمى لدى مطوريها "معضلة السجين" فحين يُقبض فيه على شخصين بتهمة السرقة مثلًا. يُمنح كل متهم خيار الاعتراف أو التزام الصمت. وعليه هناك ثلاثة احتمالات:

إذا اعترف كلاهما، يُسجن كل منهما خمس سنوات. أما إذا اعترف أحدهما والتزم الآخر الصمت، تُسقط التهم عن المعترف ويُحكم على الآخر بالسجن عشرين عامًا. أخيرًا، إذا التزم كلاهما الصمت، يُسجن كل منهما عامًا واحدًا. ومن هنا يبدأ الصراع النفسي والتفاعلات الصعبة فالأمر متروك لكل شخص ليختار بين التعاون والصمت، أو الانشقاق والاعتراف. و يجب على السجينين حينها اتخاذ قرار، دون معرفة قرار شريكهما. وبشكل منطقي فإن أفضل بديل/سيناريو هو تعاون الطرفين والتزامهما الصمت، ومع ذلك، هناك دائمًا خطر عدم تعاون الشريك واعترافه، مما قد يؤدي إلى سجن أحدهما عشرين عامًا بسبب صمته.

وعلى الرغم من هذه الجهود المبذولة لتفسير اتخاذ القرارات غير العقلانية، فإن نظرية الألعاب لا تزال قاصرة عن استيعاب مدى تأثرنا بالتحيزات المعرفية. علاوة على ذلك، تفترض هذه النظرية أن البشر يتصرفون بدافع المصلحة الذاتية فقط، وهو ما ليس صحيحاً دائماً. فلدينا القدرة على الإيثار ، (أنظر الآية 9 في سورة الحشر "وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ"،  وقد نُعطي الأولوية لرفاهية الآخرين على حساب أنفسنا، وهو أمر لا تأخذه نظرية الألعاب في الحسبان عند التنبؤ بالسلوك.

والى ما سبق يذكر الكاتب سردار غونر أن معظم دارسي السياسة والعلاقات الدولية يرون أن نظرية الألعاب لا تُجدي نفعًا إلا إذا تم تأطير التفاعل الدولي بمفاهيم واقعية كالقوة، ودوافع التوسع، وتعظيم المصلحة الذاتية. وهذا اعتقاد خاطئ تمامًا، كما يقول، فتفضيلات اللاعبين، وهي المحرك الأساسي لنماذج الألعاب، تُقاس من خلال أفكارهم ورغباتهم.

الحرب الامريكية الإسرائيلية على إيران و"اللعبة"   

باستعراضنا الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واستنادًا لنظرية اللعبة فإن البديل/السيناريو الأول -انهيار النظام (30%): ما يستدعي نظرية الألعاب التعاونية. والبديل الثاني -إعادة التنظيم (45% – الأكثر احتمالاً): القيادة الإيرانية الجديدة ستواجه نفس معضلة السجين داخلياً: هل تتفاوض أم تقاوم؟  والبديل الثالث هوالتصعيد النووي (25%): هذا هو "مفارقة الردع" في نظرية الألعاب. 

الدرس الجوهري من نظرية الألعاب هو أن هذا الصراع يُجسّد مفارقة "معضلة السجين الكبرى": إيران مقابل الكيان الصهيوني والامريكي طرفان مختلفان وهما أمام خيار التعاون (دبلوماسية وقبول قيود نووية وأمن إقليمي) أو الانشقاق والافتراق (عبر مواصلة التصعيد). حيث اختار الطرفان حتى الآن الانشقاق لأن الثقة المتبادلة كانت معدومة – تماماً كالسجينين اللذين لا يستطيعان التواصل. والنتيجة مزيد من الخسائر للجميع، بما فيهم المدنيون وأمن المنطقة، رغم أن الحل التعاوني كان ممكناً نظرياً.

 وفي الختام نقول:"وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"-الأنفال(الآية 30).