حين يدفع الأبرياء ثمن الحروب
كم مرة يتحول إلى قدر يومي يلاحق الناس في تفاصيل حياتهم. فالحرب هنا لم تعد حدثًا طارئًا أو لحظة استثنائية، بل صارت حالة دائمة تعيد تشكيل الحياة والموت معًا.
في الحروب يختلف الناس كثيرًا؛ يختلفون حول الروايات، ويتنازعون على تفسير الوقائع، ويتجادلون طويلًا حول من بدأ ومن انتهى، وحول من يملك الحقيقة ومن يختطفها. لكن وسط هذا الضجيج كله تبقى حقيقة واحدة لا يختلف عليها أحد: الأبرياء هم الضحايا الدائمون.
الأبرياء أولئك الذين لم يكن لهم يد في قرار الحرب، ولم يجلسوا يومًا حول طاولة رسمت خرائط الدم، ولم يرفعوا شعارات الصراع. ذنبهم الوحيد أنهم وُلدوا في هذه الأرض التي يبدو أن قدرها أن تظل ساحةً مفتوحة لصراعات الآخرين.
في كل حرب هناك قصص صغيرة لا تراها الكاميرات.
أبٌ كان كل حلمه أن يشتري لابنته هدية بسيطة في عيد ميلادها الخامس.
أمٌّ كانت تنتظر أن يكبر أطفالها أمام عينيها، وأن تراهم يسيرون نحو مستقبلٍ أكثر أمانًا.
شابٌ كان يطارد حلمًا بسيطًا بالحياة والعمل والحب، قبل أن تطارده الحرب نفسها.
وفتاةٌ بدأت حياةً جديدة مع من تحب، فإذا بالحرب تختطف منها معنى البداية.
هؤلاء جميعًا لم يكونوا طرفًا في الصراع، ولم يحملوا السلاح، ولم يكتبوا خطابات التحريض. ومع ذلك كانوا دائمًا في مقدمة الضحايا. فالحروب لا تميز كثيرًا بين من أشعلها ومن وجد نفسه في طريقها.
في النهاية، لا يبقى من الحروب سوى مدنٍ مدمرة، وذاكرة مثقلة بالفقد، وأسماء تتحول إلى أرقام في نشرات الأخبار. أما الأحلام الصغيرة التي كانت تسكن قلوب الناس، فإنها غالبًا ما تُدفن بصمت تحت ركام البيوت.
وهكذا تتكرر المأساة مرةً بعد أخرى:
تسيل دماء طاهرة، وتُطفأ حيوات كان يمكن أن تكون عادية وبسيطة…
لكنها انتهت، ببساطة، لأن الحرب قررت أن تمرّ من هنا