أمريكا بين كلفة الحرب وتراجع الهيمنة
لم يكن القرار الأمريكي بالانخراط في التصعيد الأخير قراراً عابراً أو معزولاً عن إدراك عميق بتداعياته ، خصوصاً على صعيد الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة . فالولايات المتحدة ، بما تمتلكه من مؤسسات وخبرات ، تدرك جيداً أن أي توتر في منطقة الشرق الأوسط حتى في ظل شراكتها الإستراتيجية مع اسرائيل سينعكس مباشرة على أسواق النفط والغاز ، وعلى الاستقرار الاقتصادي العالمي ، بل وحتى على الداخل الأمريكي نفسه ، الذي نشاهد مظاهره اليوم من خلال المظاهرات الجارية هنالك وبالعواصم الأوروبية ايضا . ومع ذلك ، أقدمت على هذا المسار ، رغم تباعد بعض حلفائها وتصاعد أصوات داخلية رافضة للحرب ولسياسات الترامبية .
وهنا يبرز السؤال الاساسي ، لماذا تتخذ واشنطن قراراً يبدو مكلفاً اقتصادياً وسياسياً على هيمنتها ؟
الإجابة قد تكمن باعتقادي في أن منطق القرار الأمريكي لم يعد محكوماً فقط بحسابات الربح والخسارة الاقتصادية المباشرة ، بل بمنظور أوسع يتعلق بإدارة موقعها في النظام الدولي . فالولايات المتحدة ، التي قادت العالم وفق هيمنة القوة لعقود في ظل نظام أحادي القطبية ، تجد نفسها اليوم أمام تحولات عميقة ، مع صعود قوى كبرى مثل الصين وعودة روسيا إلى مسرح التأثير الدولي ، إلى جانب تنامي أدوار قوى إقليمية قادرة على فرض معادلات جديدة كما هو الحال مع إيران وحلفائها والتغيرات الجارية بالمواقف الأوروبية .
في هذا السياق ، يمكن فهم التصعيد الأمريكي باعتباره محاولة لإعادة تثبيت قواعد الردع ، ومنع خصومها من توسيع هامش حركتهم وقوة ردعهم . فالمسألة لا تتعلق فقط برد فعل على حدث معين ، بل بإرسال رسائل استراتيجية للعالم مفادها أن واشنطن لا تزال قادرة على التدخل من جهة وحماية أسرائيل من جهة ثانية ، وأنها لن تسمح بإعادة تشكيل موازين القوى بعيداً عن إرادتها .
غير أن هذا السلوك يكشف في جوهره عن مفارقة مهمة ، فالإفراط في استخدام القوة الغاشمة كما يحدث اليوم وفي هذه المرحلة تحديداً من وضوح قوة ردع القوى الاخرى ، لا يعكس بالضرورة ذروة الهيمنة ، بل قد يكون تعبيراً عن قلق متزايد من تآكلها وتراجعها . فحين تضطر القوة العظمى إلى اللجوء المتكرر للأدوات العسكرية والتخبط بالمواقف التي يعلم عنها ترامب بل وبالكذب ايضا ، رغم كلفتها العالية وعدم ضمان نتائجها ، فإن ذلك يشير إلى تراجع فعالية أدواتها التقليدية الأخرى ، سواء الاقتصادية أو السياسية أو حتى الرمزية .
لقد تغير العالم ، لم تعد العقوبات وحدها كافية لإخضاع الدول ، ولم تعد التحالفات الغربية متماسكة كما في السابق ، بل إن بعض الحلفاء باتوا يتخذون مواقف أكثر استقلالية ، كالدول الأوروبية في اطار "حلف الناتو" والذي بان ترامب يهدد بالخروج منه ، ومواقف بعض دول الخليج ان إقتنعت بالخروج عن التبعية الأمريكية نتيجة ما يحصل ، اضافة الى ما مثله لقاء "باكستان" اليومين الماضيين ، مدفوعين بحساباتهم الخاصة ومصالحهم الوطنية . كما أن الرأي العام العالمي أصبح أكثر تشككاً في السياسات الأمريكية ، وأقل استعداداً لتقبل رواياتها دون مساءلة كما أسرائيل ايضا التي باتت تعاني العزلة على اثر جرائمها المتكررة .
أما داخلياً ، فإن الانقسام السياسي الحاد داخل الولايات المتحدة ، وتزايد الأعباء الاقتصادية ، وتراجع الثقة بالمؤسسات ، كلها عوامل تضغط على صانع القرار بالبيت الابيض ، وتحد من قدرته على خوض صراعات طويلة أو مفتوحة . ومع ذلك ، قد تدفع هذه التحديات نفسها بعض دوائر القرار إلى تبني سياسات أكثر تشددا خارجياً قد تأخذ شكل جرائم الحرب المفاجئة ، في محاولة لتعويض التآكل الداخلي أو إعادة إنتاج صورة القوة ، من خلال بحث ترامب عن صنع صورة نصر وضمان استراتيجية خروج بأقل الخسائر له .
من هنا، يمكن القول إن ما نشهده اليوم ليس نهاية او تراجعا كاملاً للهيمنة الأمريكية ، بل مرحلة انتقالية معقدة ، تحاول فيها واشنطن إدارة تراجع نسبي في قدرتها على التحكم المنفرد بالنظام الدولي . إنها لحظة تتداخل فها الرغبة في الحفاظ على القيادة مع واقع جديد يفرض حدوداً لهذه القيادة المتغطرسة ، خاصة فيما تتعرض له أسرائيل من ضربات صاروخية مستمرة لم تعيشها من قبل ، وما تتعرض له القواعد العسكرية الأمريكية بالمنطقة .
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط ارتفاع كلفة الحروب أو اضطراب أسواق الطاقة ، بل احتمال أن تتحول السياسات القائمة على “منع التراجع او في البحث كما قلت عن صورة النصر ” إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار الدولي . فحين تصبح القوة أداة لإبطاء التحول التاريخي ، بدلاً من التكيف معه فإن العالم بأسره يدخل في حالة من التوتر المفتوح .
في المحصلة ، لا يبدو أن الولايات المتحدة تخوض هذه المواجهات من موقع القوة المطلقة اليوم ، بل من موقع قوة قلقة ، تدرك أن الزمن الذي كانت فيه اللاعب الوحيد المهيمن قد بدأ يتغير . وبين محاولة الحفاظ على الهيمنة ، والاعتراف بحقائق التحول الدولي الجاري ، تتشكل سياسات متناقضة ، تدفع العالم نحو مزيد من عدم اليقين والاستقرار .
إنها، ببساطة ، لحظة “إدارة تراجع الهيمنة ” في محاولة لعدم السقوط الكامل ، لا نهاية القوة ، لكنها بالتأكيد نهاية زمن الهيمنة بلا منازع للولايات المتحدة واسرائيل كحليف إستراتيجي لها ، الامر الذي يضع أمامنا فرص سياسية يتوجب استثتمارها وفق استراتيجية فلسطينية واضحة لتعزيز صمودنا ومشروع تحررنا الوطني بأدوات وبرامج تستجيب لهذه المرحلة.