في كَراهيةِ الحَرب

2026-04-02 16:18:16

***

الحَربُ هي الحَربُ! وأكْرَهُ مَن سَوَّغها..

الحربُ؛ رمادٌ يحتلُّ الأنهارْ.

الحربُ نهاياتٌ لا شمسَ لها،

مخْمَصةٌ ستبيعُ الحُرّةُ فيها ثديَيْها،

والحامِلُ طِفليْها،

وتبيعُ الزرقاءُ، إذا لمحتْ أشجاراً تمشي، عينَيْها..

ستبيعُ الحربُ خواتمَ جَدَّتِها، ويدَيْهَا،

وتُعرّي فَخْذَيْها.

الحربُ مجنزرةٌ تَسْحقُ سربَ حمامٍ يهدلُ في الإنجيلِ،

وتهْرسُ هالاتِ العذراء..

الحربُ فظاعاتٌ تحتلّ الفردوسَ، ولا تخلعُ نَعلَيْها.

الحربُ معاركُ تأخذُكَ الشَفرةُ، فيها، مِن حَدَّيْها.

ويصيرُ الكونُ..بلا أقمارْ.

الحربُ بداياتُ الأشرارِ،

الحربُ نهاياتُ الأقدارِ.

الحربُ دكاكينُ الشُطّارِ،

ولعبةُ قيصرَ حين يشاءُ،

ورقعةُ كسرى في الأَمْصارِ.

الحربُ مُقامرةٌ وغباءْ.

الحربُ مدائنُ تُمحى..

وقضاةُ المحكمةِ، شُهودُ الزّورِ،

بقاعاتِ الميزانِ يصبُّون الويلَ،

لنكبرَ في قاعاتِ الصمتِ..

ولا مَن ينطقُ..

والحربُ المقلاةُ على لهبٍ، يغلي فيها الزيتُ،

فينصهرُ الناسُ، تسوحُ الأعضاءُ وتطفو..

يا ربَّ الحربِ! تعالَ اشربْ بشراً ذابوا.

يا ربَّ الخوفِ! لقد بلغَ الأطفالُ الهَرمَ..وشَابوا.

يا ربَّ الهَدْمِ! هنا كان المبنى والأهلُ..فَغابوا.

ياربَّ الجوعِ! لقد حلموا بالخبزِ، ولابوا.

ياربَّ الأمْنِ! البلدةُ كانت آمنةً تسرحُ طيّبةً

في البحرِ، وطابوا.

ما ذَنْبُ القريةِ؟ هل تحرقُها إنْ صدَّت عنها الطاعونَ،

وألقتْ بقيودِ النّخّاسين..فَخابوا؟

الحربُ حناجرُنا المشروخةُ،

لكنّ الشاشاتِ ضبابْ!

الحربُ سرابْ.

الحربُ شياطينُ الأَنواءِ.

الحربُ نزوحٌ إنْ ظلّوا أحياءً..

وهزيعٌ لا يتلوهُ نَهارْ.

الحربُ تعاويذُ الحرباء، ومَأتمُ فاطمة الزهراء.

الحربُ أكاذيبٌ كبرى، وجنائزُ تترى دون عَزاءْ.

الحربُ الخيبةُ، لا رابحَ فيها..

بل أقبحُ ما اقترفَ التُجّار.

الحربُ مُرافَعةُ الفُجّار.

الحربُ الأحلامُ المقتولةُ بالسَهمِ الوثنيِّ،

وتُظْهِرُ أسوأَ ما في الخَلْقِ،

وتَحْرقُ ألبانَ الأثداء.

الحربُ تفاصيلٌ خَرقاء.

الحربُ صليبٌ لنبيٍّ أُجْهِضَ قبلَ الوَضعِ،

عبيدٌ وإماءٌ، في سوقِ المُتعةِ واللّعْنةِ،

مطحنةٌ للرّوحِ، وشبّاكٌ مهتوكٌ للرّيحِ..

الحربُ سكاكينُ التأويلِ، وآيُ الكارهِ للأَغيار.

الحربُ بلاءُ الخاسرِ، وثراءُ الفاجرِ، وسِفاحُ القاصرِ،

ونشيدُ الثائرِ؛ مَن يدفعُ أثمانَ الصفقةِ، وهو بريءٌ!

والحربُ العَارُ الأُمَميّ،

وعَجزُ الكاهنِ والحُوذيّ،

الحربُ الوَهْمُ الكاملُ، وندوبٌ لا تبرأُ..

والحربُ، وما أدراكَ! تدابيرٌ للوَرْشةِ

وهي تهدّمُ آخرَ ما اجترحَ التاريخُ..

وما مِن شَفَةٍ ستحيطُ بأَهوالِ الصُورةِ،

فهي خرابٌ مكتملُ الأصْفار.

الحربُ دمار.

***

ومَن قالَ بأنّي اخترتُ الموتَ وفاجعةَ الأقدار؟

أتيتُ لأحيا، لا لأموت.

جئتُ لأغرسَ قلبيَ حَنُّوناً لربيعِ الساحلِ،

لا أنْ يحملَه التابوت.

ولدتُ لأبقى إنساناً حُرّاً،

لا أن أُصبحَ ملهاةً لقنابلَ، تَسَّاقطُ..

فَتَنوءُ مدارسُ وبيوت.

أتيتُ ولا أبغي أن أُصبحَ بطلاً وقتيلاً،

وجريحاً يَدْفُقُ بالياقوت.

أريدُ لأنْ أَصعدَ سُنبلةً للمَلَكوتِ،

وأكبرَ في أعشاشِ الطيرِ العائدِ في الأسحارِ،

وأشربَ عُنقودَ الناسوتِ،

وأرقصَ في أفراحِ الغارِ،

وأبكيَ في أثوابِ التوتِ،

وأنثرَ ماساً للتيّارِ،

وسِحراً في شَفةِ الماروت..

أُريدُ حياةً تشبهُ أُغنيةَ البحّارِ،

فلا أكفانَ ولا سجّانَ ولا طاغوتَ ولا رَهبوت..

ولم أذهبْ للحربِ، ولكنّ الغيلانَ أرادت روحي،

فنهضتُ لأحميَ قلبيَ والأسوار.

أنا الجذرُ الصاعدُ في نَسغِ الأوجاعِ،

وريحُ حنينِ النّايِ الخافِقِ في الأضلاعِ،

أنا عَرْشُ البحرِ، وبستانُ الميلادِ،

ومَهدُ القبْلةِ، وسلامُ النّخلةِ والنوّار..

أنا مَن يحلمُ بالوردةِ، وهي تدور على الأبوابِ،

ليبدأَ ميقاتُ الأشجار.