خاص| رغم الإبادة وشحّ الإمكانيات.. مزارعو غزة يحاولون إحياء أراضيهم!

2026-04-03 16:00:33

أروى عاشور- غزة- رايــة:-

رغم الدمار الواسع الذي طال الأراضي الزراعية في شرق قطاع غزة، يحاول مزارعون فلسطينيون إعادة إحياء أراضيهم المتضررة، متحدّين شحّ المياه، ونقص البذور والأسمدة، وغياب الإمكانيات، في مشهد يعكس معركة صمود يومية من أجل البقاء.

فوسط الركام الذي خلّفه القصف وتوغلات الاحتلال، لا تزال الزراعة تشكّل بالنسبة لكثيرين فعل مقاومة وحياة في آن واحد. لكن إلى أي مدى يمكن لهذا القطاع أن يصمد في ظل تدمير ممنهج وغياب أفق حقيقي لإعادة الإعمار؟

عودة إلى الأرض رغم الدمار

في شرق حي الزيتون بمدينة غزة، عاد المزارع سمير حمدان حمدقه إلى أرضه التي دمّرها الاحتلال، محاولًا البدء من جديد رغم كل التحديات.

يقول حمدقه لـ"رايــة" إن الاحتلال الإسرائيلي دمّر نحو 15 دونمًا من أراضيه الزراعية، التي كانت مزروعة بأشجار الزيتون والخضروات، وتضم دفيئات زراعية ومرافق إنتاج متكاملة، موضحًا أن هذه الأراضي شكّلت مصدر رزقه الأساسي قبل أن تتحول إلى ركام خلال الحرب.

ويضيف أن تدمير الأرض لم يدفعه إلى الاستسلام، بل عزّز لديه روح الصمود والإصرار على العودة إلى الزراعة، مشيرًا إلى أنه أعاد تأهيل الأرض عبر تسويتها وإضافة التربة الصالحة للزراعة، وإعادة إنشاء شبكات الري، وتوفير كميات محدودة من البذور والأسمدة. ويؤكد أن هذه الزراعة تُعدّ الرابعة له منذ اندلاع الحرب، رغم صعوبة الظروف وارتفاع كلفة الإنتاج.

ويتابع حمدقه أن الاستمرار في الزراعة، رغم انخفاض الأسعار وشح الموارد، يهدف إلى توفير الخضروات للمواطنين والتخفيف من الأعباء المعيشية عنهم، معربًا عن أمله في عودة الأراضي الزراعية الشرقية قريبًا لإعادة زراعة مساحات أوسع وضمان وصول الخضار إلى جميع السكان.

بيت لاهيا… من سلة خضار إلى أرض مُدمّرة

ولا يختلف المشهد كثيرًا في شمال قطاع غزة، حيث يصف المزارع سمير العطار واقع الزراعة في مدينة بيت لاهيا بأنه شبه معدوم في الوقت الحالي، في ظل غياب مصادر المياه واستيلاء الاحتلال الإسرائيلي على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، لا سيما في المناطق الحدودية الشرقية التي ما تزال غير آمنة للوصول.

ويقول العطار لـ"رايـــة" إن الاحتلال دمّر القطاع الزراعي في بيت لاهيا بشكل شبه كامل، بما في ذلك الآبار الزراعية وثلاجات التبريد التي كانت تُستخدم لتخزين الخضروات والفواكه قبل تسويقها، ما أدى إلى شلل تام في العملية الإنتاجية والتخزينية.

ويوضح أن بيت لاهيا كانت تُعرف تاريخيًا بأنها “سلة خضار قطاع غزة”، واشتهرت بزراعة الفراولة (التوت الأرضي)، والخضروات، والفواكه، إضافة إلى الحمضيات في السنوات الأخيرة، وهي محاصيل أساسية كانت تسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي للسوق المحلي.

ويشير العطار إلى أن المزارعين ينتظرون انسحاب جيش الاحتلال من مناطق الخط الأصفر للعودة للمناطق الزراعية، والعودة لزراعة كافة المحاصيل، مشيرا إلى أن كل ما يتم زراعته هو عبارة عن مبادرات مدعومة من مؤسسات إغاثية في محاولة لإنعاش القطاع الزراعي.

أرقام بلدية: تدمير واسع وتهديد مباشر للأمن الغذائي

من جانبه، يقول رئيس بلدية بيت لاهيا علاء العطار إن القطاع الزراعي في المدينة تعرّض لتدمير شبه كامل، جراء عمليات التجريف الواسعة التي طالت المناطق الزراعية داخل المدينة، حيث جرى تجريف أكثر من 20 ألف دونم من الأراضي الزراعية، إضافة إلى تلوّث التربة بالركام ومخلّفات الحرب، ما أدى إلى خروج مساحات واسعة عن الخدمة الزراعية.

ويوضح العطار لـ"رايــة" أن العدوان دمّر عددًا كبيرًا من الآبار الزراعية وشبكات الري، وتضررت خطوط المياه ومضخات الضخ، ما حرم المزارعين من مصادر الري الأساسية وأوقف الإنتاج الزراعي في العديد من المناطق.

ويشير إلى أن هذا الواقع انعكس بشكل خطير على الأمن الغذائي، إذ تراجع الإنتاج المحلي من الخضروات والمحاصيل الأساسية، بعد أن كانت بيت لاهيا تُعدّ السلة الغذائية الأولى على مستوى قطاع غزة، ما زاد من الاعتماد على المساعدات الإنسانية في ظل محدودية البدائل وارتفاع تكاليف الإنتاج.

ويبيّن أن أكثر من 80% من سكان المدينة يعتمدون على الزراعة كمصدر دخل أساسي، ما يجعل تدمير هذا القطاع تهديدًا مباشرًا للاستقرار المعيشي والاجتماعي، مؤكدًا أن البلدية تسعى، رغم الإمكانيات المحدودة، إلى دعم صمود المزارعين عبر التنسيق مع الجهات الحكومية والمؤسسات الإغاثية لإعادة تأهيل الآبار وشبكات الري، وتوفير البذور وتجهيز الأراضي الزراعية.

تهديد وجودي للقطاع الزراعي

وترى نهى الشريف مسؤولة المناصرة في الاغاثة الزراعية، أن القطاع الزراعي في قطاع غزة لا يمر بمرحلة تراجع مؤقت فحسب، بل يواجه تهديدًا وجوديًا حقيقيًا، في ظل واقع ميداني لم يتغير فعليًا رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، الذي لم يُنفذ على الأرض حتى الآن.

وتوضح الشريف لـ"رايــــة" أن نسبة الأراضي الزراعية القابلة للوصول لا تتجاوز 37% من إجمالي المساحة الزراعية في القطاع، فيما ما تزال 63% من الأراضي غير آمنة أو محظورة بفعل القيود العسكرية وانتشار مخلفات الحرب، مشيرة إلى أن عدد المزارعين العاملين تراجع من نحو 50 ألفًا قبل الحرب إلى قرابة 4 آلاف فقط اليوم.

وتضيف أن المناطق الشرقية، التي شكّلت العمود الفقري للإنتاج الزراعي، ما تزال خاضعة لسيطرة الاحتلال بنسبة تصل إلى 53%، وهي مناطق كانت تضم ربع الأراضي الزراعية وتُعد مركزًا أساسيًا لإنتاج الخضروات والورقيات، إلى جانب قطاع الإنتاج الحيواني.

وتؤكد الشريف أن ما لا يقل عن 85% من مكونات القطاع الزراعي تعرضت للتدمير، بما يشمل الدفيئات والبنية التحتية والآبار وشبكات الري، فيما جرى شل قطاع الإنتاج الحيواني بالكامل، إلى جانب تعطيل شبه تام لقطاع الصيد.

وفيما يتعلق بالأمن الغذائي، تشير إلى أن الإنتاج الزراعي الحالي لا يتجاوز 25 ألف طن، أي نحو 7% فقط من حجم الإنتاج قبل الحرب، الذي كان يزيد عن 400 ألف طن سنويًا، ما دفع غالبية السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الغذائية، التي لا تلبي في كثير من الأحيان الاحتياجات الغذائية الأساسية، وأسهم في تفاقم مؤشرات سوء التغذية.

بين الصمود وغياب الأفق

وتختم الشريف بالقول إن القطاع الزراعي في غزة يعاني من تدمير ممنهج طال الأرض والتربة والمياه والبنية التحتية على مدار سنوات، إلا أن العامين الأخيرين شهدا ذروة هذا التدمير.

 ورغم غياب خطة واضحة لإعادة الإعمار حتى الآن، ترى الشريف أن التعافي ممكن عبر ثلاث مراحل تبدأ بإنتاج سريع للخضروات قصيرة الدورة، تليها مرحلة تعافٍ مبكر لإصلاح شبكات الري والآبار، وصولًا إلى إعادة بناء قطاع زراعي أكثر صمودًا واستدامة.

وبين محاولات المزارعين للزراعة فوق الركام، واستمرار الحصار وغياب رؤية واضحة لإعادة الإعمار، يبقى مصير القطاع الزراعي في غزة معلقًا بين صمود الأفراد وعجز السياسات، في انتظار إجابة عن سؤال مفتوح: هل يُترك هذا القطاع ليموت بصمت، أم يُعاد إحياؤه كرافعة أساسية للحياة في غزة؟