فتح على مفترق الطرق: بين التغيير أو الاندثار

2026-04-06 11:18:45

 مع اقتراب لحظة الحسم التاريخي، حيث ينعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح على وقع معركة البناء والمستقبل  والمصير ، وفي ظل أخطار غير مسبوقة تهدد وجودها ودورها، تبرز هذه الرسالة المفتوحة كنداء صريح وخارطة طريق، تعبّر عن صوت القاعدة الفتحاوية التي صنعت تجربة الأرض المحتلة، وما زالت تقف في خطوط المواجهة الأولى دفاعاً عن الحركة ومشروعها الوطني . 

▪️1- تحديد هوية حركة فتح، باعتبارها حركة تحرر وطني، خُلقت من أجل تحقيق حرية وطنها وشعبها، وهو هدف ما زال يتطلب جهداً جمعياً من جميع النواحي، وزمناً لا يمكن رصد سنواته وأيامه.

▪️2- صناعة استراتيجيات جديدة تستند إلى العمل الجماهيري: المجتمعي، والاقتصادي، والثقافي، والفكري المنظم. وذلك بعد وصول النضال الثوري والسياسي الفلسطيني إلى طريق مسدود، وبعد تفتت البعد القومي والإسلامي والأوروبي، واغتيال القانون والنظام الدولي، وقتل إسرائيل كل الاتفاقات التي وقعتها مع منظمة التحرير الفلسطينية، وتحللها من تفاصيلها، وإعادة احتلال الأرض الفلسطينية، وتحكمها بمصيرها من الألف إلى الياء.

▪️3- تحديد العلاقة مع السلطة الوطنية باعتبارها محطة تحرر وطني، وليس دولة مستقلة. وعليه، يتوجب على حركة فتح إعادة بوصلة السلطة إلى وجهتها الأساس، مع ما يقتضيه ذلك من تغييرات جوهرية في الهياكل والبوصلات والاستراتيجيات. ويطالب الفتحاويون جميعاً بإيجاد خط فاصل وجوهري بين السلطة وحركتهم، ويرون أن لكل منهما مساراً وقيادة وآليات ومهاماً وخطاباً خاصاً. ويجب الاعتراف صراحة بأن فتح الحالية هي فتح الحزب السياسي، وليس الحركي والتنظيمي، ولا تتقاطع مع فتح الستينات والسبعينات والثمانينات والانتفاضة الأولى إلا قليلاً.

▪️4- يتوجب على حركة فتح مراجعة خطابها وآلياتها ونظامها ومؤسساتها، استناداً إلى فضاءات الواقع الجديد والخطير الذي يحيط بالشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني حالياً، منطلقين من الواقع الذي يرى أن المشروع الاستيطاني الإحلالي الصهيوني وصل إلى مراحله المتقدمة في: ضم الأرض وتفتيت الجغرافيا، وطرد السكان وتهجيرهم، وإذلال الناس وتجويعهم، وترسيخ سيطرته الأمنية والعسكرية على كل مناحي حياتهم، ونجح إلى حد كبير في كيّ الوعي الوطني وتشييد قواعد اللامبالاة وكره النضال في دواخلهم، وأصبح الفعل الوطني مضيعة للوقت وربما جريمة كبرى.

️ 5- يرى قطاع واسع من الفتحاويين أن حركتهم، بمساراتها وخطابها وهياكلها وقياداتها في المرحلة الراهنة، لا تعكس بالشكل الكافي النموذج الذي التحقوا بها من أجله، ولا تطابق تطلعاتهم ودوافع انتمائهم الأولى. ويشعر كثيرون بوجود فجوة بين القاعدة التنظيمية والقيادة، بما يضعف حالة الانسجام الداخلي، ويستدعي مراجعة جادة تعيد الاعتبار للطابع الجماعي للحركة، وتعزز حضورها كإطار وطني جامع يعبّر عن مختلف أبنائه، لا عن فئة محدودة منهم.

▪️6- يجب الاعتراف بأن حركة فتح ابتعدت كثيراً عن حاجات واهتمامات شعبها: التعليمية، والصحية، والمجتمعية، والتطوعية، والنسوية، والشبابية، والزراعية، والاقتصادية، والأسرى، والجرحى، والشهداء. وفشلت في حمل المهام المناطة بها في قطاع غزة المدمر والمنكوب والجائع والنازف والمشتت، وعجزت في  الضفة الغربية التي قضمها وضمها الاستيطان،  عن حماية الأرض والقرى والبلدات والمدن والناس المدنيين من هجمات المستوطنين وعنفهم في جميع المناطق، وخاصة :  الأغوار ومناطق C التي هُوِّدت فعلياً. كما فشلت في معالجة طواعين: البطالة والفقر والحاجة والظلم والفساد ، وتحالفت كثيراً مع رأس المال أكثر مما يجب، وأعطته  النفوذ والحكم والمقدرات ليفعل  فيها كما يشاء . 

▪️7- يخطط اليمين الحاكم في تل أبيب وواشنطن إلى : هندسة نظام حكم ذاتي محدود للشعب الفلسطيني، تحيط به الكانتونات والمستعمرات والبوابات والحواجز وطرق الفصل العنصري، مهمته إدارة أمور السكان وحفظ أمن إسرائيل ومستوطنيها، ولا علاقة له بالأرض والحدود والمياه والقدس واللاجئين، ويشبه إلى حد كبير نموذج سعد حداد سيّئ التاريخ في جنوب لبنان، وسيسمح للفلسطينيين أن يطلقوا عليه أسماء: دولة أو إمبراطورية أو جمهورية عظمى، بشرط عدم اقترانها بكلمة “وطنية”.

▪️ 8- في ظل حالة الشلل والضعف التي تعاني منها البنى الميدانية لحركة فتح في الضفة الغربية وقطاع غزة – وهما ساحة الحسم والمواجهة الحقيقية لا محالة – يصبح من الضروري أن يضم المؤتمر الثامن في تركيبته جميع الكوادر التي صنعت التجربة الفتحاوية وراكمت تاريخها النضالي في الأرض المحتلة، دون أي استثناء. فهؤلاء هم الأقدر على فهم تفاصيل الميدان، وهموم الناس، وواقعهم، وهم الذين يعرفون شوارع الوطن وأزقته ومؤسساته، ويحفظون أساليب النضال والمقاومة الملائمة لكل ظرف وزمان، ويمتلكون معرفة دقيقة بالعدو ووسائله وخططه. وهم أيضاً من سيبقون في أرض المواجهة: الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد انتهاء المؤتمر وعودة أعضائه إلى أماكن إقامتهم وأعمالهم، مع كامل الاحترام والتقدير لتاريخهم ومكانتهم.

إن إعادة إنتاج المؤتمر عبر هيمنة ممثلي المؤسسات الرسمية سيؤدي إلى صياغة أولويات وآليات تعكس منطق السلطة الوطنية، لا روح حركة فتح ومعناها التاريخي، وسيُنتج كوادر وظيفية لا طليعة ثورية. وكما أكدنا سابقاً، فإن للسلطة مساراتها وأدواتها وأولوياتها، ولحركة فتح مسارها المختلف. كما أن توسيع المشاركة على أساس المجاملة أو المحبة سيُفرغ المؤتمر من مضمونه، ويحوّله إلى إطار شكلي أقرب إلى تكية للدراويش، لا إلى محطة نضالية حقيقية.

9- إذا لم نستوعب الدرس الخطير الذي يحيط بنا من جميع الجوانب، فإن مصير حركة فتح سيكون حزباً سياسياً أمنياً لا يمثل إلا رعاته، سينفك الجمهور من حوله، ويتلاشى تدريجياً في غضون عشرين عاماً كحد أقصى.

▪️10- أما أن نتغير أو نُغيَّر، فهكذا هي فلسفة التاريخ والثورات والأحزاب الحاكمة. وعندها تكون حركة فتح قد ضاعت واندثرت أو تفككت وانقسمت إلى أقسام متعددة، وتخلى عنها شعبها وأعضاؤها وأنصارها، وتكون فلسطين قد تهودت فعلياً. لنعترف بكل صراحة: فلسطين وحركة فتح على مفترق طرق صعب وخطير، فإما أن تغرق سفينتهما، وإما أن ينجو ركابها، ولا يوجد حل ثالث.

▪️11 - يؤمن قطاع عريض من الشعب الفلسطيني بأن صحة حركة فتح وتماسك بنيتها، ومراجعة خطابها ونظامها وقوانينها، وعلاقتها مع السلطة الفلسطينية، وإطلاق بناء مكونات وأدوار منظمة التحرير الفلسطينية في الفضاء الوطني والعربي والدولي، وتبنيها لخطط تدافع الأجيال والتجارب والأعمال، وعودتها إلى ساحات العمل الجماهيري والمجتمعي، وإيمانها وتبنيها لأسس العدالة والمساواة والقانون والحكم والانتخابات داخل أروقتها، والاستماع إلى صوت الجماهير، وقيادتها لمفاعيل الوحدة السياسية والثقافية والفكرية والوطنية والدينية… هو الطريق الوحيد لعودتها إلى المقدمات، وخاصة أنها ما زالت تسكن قلوب الجماهير والأجيال وتطلعاتهم وآمالهم.