دروس من النرويج في طريق حركة فتح إلى مؤتمرها الثامن

2026-04-08 15:33:32

على أعتاب انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، لا يمكن قراءة هذا الاستحقاق بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي شديد التعقيد. فالتطورات المرتبطة بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وما تحمله من احتمالات اتساع الصراع وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، تُضفي على المؤتمر أهمية استثنائية، تتجاوز كونه محطة تنظيمية داخلية إلى كونه لحظة سياسية مفصلية. ويزداد هذا الثقل في ظل ما يجري على الأرض في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، حيث تتصاعد التحديات اليومية التي تمس جوهر القضية الفلسطينية.

في هذا السياق المضطرب، تبرز المفارقة مع تجربة النرويج كمدخل تحليلي لافت. فالدولة التي نجحت في بناء واحدة من أكثر الاقتصادات ازدهاراً في العالم بفضل عوائد النفط، تواجه في الوقت ذاته إشكالية مختلفة: كيف تدير فائض الثروة دون أن يتحول إلى عامل إضعاف؟. إذ أظهرت التجربة أن الوفرة قد تقود إلى تضخم مؤسساتي، وتراجع في الحافز، ونوع من "الركود المريح" الذي يهدد الحيوية على المدى الطويل.

هذه الفكرة لا تبدو بعيدة عن واقع حركة فتح، ولكن بصيغة مختلفة. فالحركة تمتلك ما يمكن تسميته بـ "ثروة تنظيمية" كبيرة: تاريخ طويل، حضور واسع، وكوادر بشرية ضخمة. غير أن هذا الفائض، في ظل غياب إدارة فعالة، قد يتحول إلى عبء ينعكس في الترهل التنظيمي، وتداخل الصلاحيات، وضعف الفاعلية، وربما انشغال الطاقات بصراعات داخلية بدل توجيهها نحو التحديات الوطنية الكبرى.

وهنا تكتسب اللحظة الراهنة حساسيتها القصوى. فبينما تعيد التحولات الإقليمية رسم أولويات القوى الكبرى، وتفرض وقائع جديدة قد تمس مستقبل القضية الفلسطينية، لا تملك الحركة ترف "الركود المريح". بل على العكس، تصبح الحاجة مُلحّة لإعادة تنشيط بنيتها الداخلية، وتعزيز قدرتها على الاستجابة السريعة والفعالة للمتغيرات.

إن ما يجري في بلادنا هو اختبار يومي لمدى قدرة الفعل السياسي والتنظيمي على التأثير. وفي ظل احتمالات اتساع رقعة الصراع الإقليمي، فإن أي ضعف في الجبهة الداخلية الفلسطينية قد يُستثمر خارجياً، أو يؤدي إلى مزيد من التهميش للقضية.

من هنا، لا ينبغي أن يُفهم المؤتمر الثامن كإجراء روتيني، بل كفرصة لإعادة تعريف أولويات الحركة في ضوء واقع جديد أكثر تعقيداً. فكما تعمل النرويج اليوم على إدارة فائضها المالي بحذر للحفاظ على ديناميكية اقتصادها، فإن حركة فتح مُطالبة بإدارة فائضها التنظيمي بما يعزز الكفاءة والانضباط، ويعيد توجيه الطاقات نحو الفعل المؤثر.

لم يعد التحدي في امتلاك الموارد سواء كانت مالية أو بشرية، بل في كيفية توظيفها في لحظة تاريخية حساسة. فإما أن تتحول الوفرة إلى قوة منظمة قادرة على الفعل، أو تبقى عبئاً يُثقل الحركة في وقت هي بأمسّ الحاجة فيه إلى الخفة والمرونة.

وبين دروس النرويج وتعقيدات الواقع الفلسطيني، تتبلور حقيقة واضحة: في زمن الأزمات الكبرى، لا يكفي أن تكون غنياً بالإمكانات، بل يجب أن تكون قادراً على إدارتها بكفاءة، وإلا تحولت إلى نقطة ضعف بدل أن تكون مصدر قوة.